حسن نجمي.. الشاعر الذي يتهجّى الريح

تيل كيل عربي

شهرزاد عجرودي

كاتب يمشي بمحبرة مفتوحة، وعينين ما زالتا تلمعان كلما لاحت فكرة، أو أطلت قصيدة.

حسن نجمي الخارج من تربة البدايات، حيث التراب ذاكرة، والريح ممرٌّ للأصوات التي تصير قصائد فيما بعد. ولد عام 1960بمدينة ابن احمد في إقليم سطات، جنوب شرق الدار البيضاء.

تابع دراسته في مسقط رأسه، بمدرسة عقبة ابن نافع، ثم في إعدادية ولي العهد سيدي محمد، ثم التحق كتلميذ بثانوية ابن عباد في سطات،حيث اعتقل سنة 1979، بسبب أنشطته والتزاماته السياسية والتنظيمية،لكنه عاد فيما بعدإلى متابعة دراسته والحصول على الباكلوريا عام 1980، ومن هناك إلى رحاب كلية الآداب في الرباط، حيث سيلتقي بأستاذه الكاتب الكبير محمد برادة، هذا الأخير الذي سيؤثر في مساره واختياراته الفكرية والثقافية أيضا. كما سيتعرف إلى أسماء مؤثرة أخرى مثل أحمد اليبوري، محمد بنيس، أحمد بوزفور، محمد مفتاح، كمال عبد اللطيف، سعيد بنسعيد العلوي، ادريس بلمليح وغيرهم من الأسماء الكبيرة التي أثثت وطبعت المشهد الثقافي المغربي.

حصل على الإجازة ودبلوم الدراسات العليا في موضوع شعرية الفضاء، لكن شغفه بالثقافة الشعبية، سيدفعه إلى مناقشة أطروحة دكتوراه في الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية، حيث اشتغل تحديدا على نموذج غناء العيطة، وألقى الكثير من الضوء على شيوخ وشيخات هذا الفن طالما احترقوا ليتدفأ الآخرون.

ومنذ أن أطلّ على المشهد الأدبي، في بدايات الثمانينيات، كان واضحًا أن هذا الرجل لم يأتِ ليملأ فراغًا، بل ليؤسس صوتًا، ويشقّ مجرى جديدًا في تضاريس الأدب المغربي.

إذ يُعدّ حسن نجمي واحدًا من أكثر الأسماء حضورًا وتأثيرًا في المشهد الثقافي المغربي، لا يعبر اللغة، بل يُقيم فيها. يعمل ببطءٍ محسوب، يوسّع الدائرة بهدوء، ويمنح للأسئلة زمنها الضروري كي تنضج، وتستعيد حقّها في التفكير.

لا يبحث عن المجاز في القواميس، بل يلتقطه من ظلال المدنووجوه العابرين، وكذا من شظايا الذكرى. فالكتابة عندهليست مجرّد فعل لغوي، إنها مصيرٌ، قدرٌ يمشي بين الناس بقامة شاعرٍ ومراس صحفي، بشغف روائي وقلق باحثٍ في أسرار الكلام المنطوق والمكتوب.

إنه أيضا الباحث في جذور الصوت، حين يكتب عن "العيطة"مثلا، لا يفعل ذلك كعاشق متيّم فحسب، بل كباحث يحاول أن ينصت للصوت الأول، ذلك النداء الذي انطلق منذ قرون وما زال يتردد في الأرواح الشعبية المغربية.

يقيم حسن نجمي في الرباط، مدينة لا تهبه الطمأنينة كاملةولا تصادر قلقه.يكتب، يشتغلويعيد ترتيب أيامه بين العمل العاموحياة شخصية لا تحب الواجهة. متزوجوأب لثلاث بناتيتابعن حياتهن الآن في ألمانيا ويمنحنه الوقت الكافي ليصير صديقا مقربا من النهر.

نشأ في ظلال القيم اليسارية، فكان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بيئته الأولى وموئل انخراطه الفكري والوطني، منذ كان في السادسة عشر من عمره (1976)، انتماء يتنفس في قلبه قبل أن يُسجّل على بطاقة. إطار وجداني صاغ رؤيته للعالم ووجّه خطواته منذ شبابه،فتحوّلت هذه القيم إلى وقود يحرّك كتابته، نضاله، وإيمانهبالديمقراطية والعدالة والانفتاح الثقافي، هذه القيم ستؤثر في مشواره الصحفي والإبداعي، ولا يزال صداها يهمس في رؤيته لموقع المثقف في المجتمع.

وعلى مدى سنوات طويلة، نسج علاقات وثيقة وقريبة مع قيادات حزبية ونقابية بارزة، من بينهانوبير الأموي، عبد الرحمن اليوسفي، محمد الفقيه البصري، محمد عابد الجابري، وغيرها من الأسماء المؤثرة في تاريخ المغرب واختياراته السياسية والفكرية.

أن تكون صحفيًا في المغرب وأنتشتغل في قلب الأحداث،يعني أن تحمل حبرك كدرع أو شفرة سكين.حسن نجمي، الذي مرّ من منابر "الاتحاد الاشتراكي"، "آفاق""الرائد"و "النشرة" صوت الشبيبة الاشتراكية الحارق، لم يكن مجرد ناقل أخبار،بل كان صانع أسئلة.صحفي لا يهادن،في زمن كانت فيه الصحافة المغربية على صفيح ساخن،اختار أن يكون في الصفوف الأمامية،فظل يكتب، ويحفر في جدار الصمت، ويواجه الضغوط والمثبطات.

التحق بالقسم الثقافي لصحيفة «الاتحاد الاشتراكي» في الدار البيضاء عام 1984، كان واضحًا أن الصحافة لم تكن مجرد وظيفة بالنسبة إليه،بل فضاءً أخلاقيًا للكتابة.ترأس القسم الثقافي إلى غاية 1999،قبل أن ينتقل إلى الرباط،مشرفًا على إدارة مكتب الجريدة حتى عام 2006.

أما داخل المؤسسات العمومية،فقد اشتغل مستشارًا، ومديرًا مركزيًا مكلفا بالكتاب والنشر بوزارة الثقافة،ثم خبيرًا في أروقة المؤسسة التشريعية.قريب منصناعة القرار الثقافي،بعيد بما يكفي ليكتب قصيدة شعرية، بدءا بديوانه"لك الإمارة أيتها الخزامى"، وصولا إلى "مفتاح غرناطة"، "ندبة أوليس"، "فكرة النهر"، "ضريح أنا أخماتوفا"، "المستحمات"، "سقط سهوا"، "حياة صغيرة"، "الرياح البنية"،"أذى كالحب"... إلى"رأس الشاعر"، ظل صوته عابرًا بين الحميمي والكوني، بين ما يُقال وما يتخفّى. أما في الرواية، فقد اختبر مسالك أخرى، بلغة نهرية كتب روايته الأولى "الحجاب"ثم "جيرترود"، وهو الآن منهمك في رواية جديدة وتجربة مغايرة.

يصوغ لغته من صبر التراب، ومن استغاثات الأصوات التي تعلّمت أن تعيش بلا سند، فالنص عنده مكان للإنصات، ومجرىً هادئًا تعبره الأسئلة قبل أن تتحول إلى قصائد.

يوصف حسن نجميبالبيت القديم الذي لا يغلق بابه، يلتقط همسات الغائبين، حيث تمرّ الأرواح متخفية أو معلنة، تحمل أسئلة صغيرة أو أحلامًا مهشمة، فيلتقطها بلا ضجيج، ويعيد لها شكلها المستور، كما يعيد النهر ترتيب حجارة ضفافه بهدوء.

إنهليس مجرد شاعرٍ وروائي، أو مساهم في تحولات الزمن الثقافي في المغرب، بل شاهد على هذا الزمن أيضا، بدءابرئاسته لاتحاد كتاب المغرب مرتين، وتأسيس بيت الشعر رفقة أصدقائه، وقيادة المركز المغربي لنادي القلم الدولي، "Pen international" منذ 2018، ثم نائبا لرئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب خلال ولاية بدايات التسعينيات، إلى إشرافه على مجلات ومنابر فكرية، فهو دائم الإنصات لصوت النصّ، يعرف كيف يقرأ وأين يضع إيقاعه الخاص. الصحافة ليست عنده مهنةً عابرة، بل أفقًا يوسّع به مدى الرؤية.

حظي حسن نجمي بعدة جوائز،من بينها، جائزة المغرب للكتاب 2011، وجائزة فاس الدولية للكتاب عام 2016، ثم جائزتي "روكا فلياوأرنالدوفورتيني" الإيطاليتين... كما حصل على وسام الاستحقاق الأدبي من اتحاد كتاب بلغاريا، ودرع مجلة العربي في الكويت، وجائزة ابن عربي الدولية في إسبانيا... من المغرب إلى فاس، ومن الضفة الإيطالية إلى المتوسطية،ترجمت أعماله إلى لغاتٍ عديدة،كما دخلت قصائده أنطولوجيات أساسية،هو الذي قال ذات قصيدة"يتشهّاك اللسان"، وكأن لغته جسرٌ بين المجرى الداخلي للأشياء وما يظهر منها للعالم. عابرٌ بين الشعر والسياسة، بين الحنين والمستقبل، يعرف أن الكتابة ليست سوى شكل آخر للوجود، وأن أثر الكاتب الحقيقي لا يُمحى.

سألته مرة، مما يخاف حسن نجمي، فأجاب، "أخاف من أين يعترض الطائرة التي تقلني ثقب هوائي مفاجئ".

حدث له ذلك مرة حين كان عائدا من معرض الكتاب في نيويورك سنة 2010، فرأى الموت أمامه لأول مرة، واحتاج إلى وقت وتوضيحات علمية من بعض أصدقائه ليتأكد أن الطائرة هي أكثر وسائل النقل أمنا وسلامة. فلم يسبق أن سقطت طائرة بسبب اهتزازات أو ثقب هوائي.

لكن حسن نجمييعرف جيدا أن العالم قابل للاهتزاز، وأن اللغة وحدها تمنحنا بعض التوازن، وتعيدنا إلى السكينة وسْلامةْ الوقتْ.