في شارع هادئ ببلدية الهرهورة، غير بعيد عن الرباط، تقف بناية "مؤسسة إدريس بنزكري لحقوق الإنسان والديمقراطية" كأنها شاهد صامت على أفول واحد من أبرز المشاريع الحقوقية التي وُلدت بعد تجربة الإنصاف والمصالحة بالمغرب. أبواب حديدية متآكلة بالصدأ، حديقة مهملة، وجدران فقدت بريقها؛ مشهد يختزل، بالنسبة إلى متتبعين، المصير الذي انتهت إليه مؤسسة حملت اسم أحد أبرز رموز العدالة الانتقالية بالمملكة.
المؤسسة التي تأسست سنة 2008، بعد عام واحد فقط من وفاة إدريس بنزكري، قُدمت حينها باعتبارها فضاء لاستمرار النقاش حول حقوق الإنسان والديمقراطية والذاكرة والعدالة الانتقالية، واستكمالا للمسار الذي قاده الرجل من المعتقل السياسي إلى رئاسة هيئة الإنصاف والمصالحة.
لكن، وبعد سنوات من الندوات واللقاءات الفكرية، توقفت أنشطة المؤسسة عمليا منذ سنة 2021، قبل أن يتحول مقرها، وفق ما عاينته "تيلكيل عربي"، إلى بناية شبه مهجورة لا يسكنها سوى حارس ما يزال يقيم بها إلى اليوم.

وتثير وضعية المؤسسة أسئلة وسط حقوقيين وفاعلين سابقين رافقوا تجربة بنزكري، خصوصا أن الرجل كان يعتبر أن معركة حقوق الإنسان ليست مرتبطة فقط بطي صفحة الانتهاكات، بل ببناء نقاش عمومي دائم حول الديمقراطية والحريات والذاكرة الجماعية.
ويرى زميل سابق لبنزكري في السجن، أن ما جرى للمؤسسة يتجاوز مجرد تعثر إداري أو مالي، ليعكس تراجعا أوسع في الزخم الذي رافق مرحلة العدالة الانتقالية بالمغرب خلال سنوات الألفية الأولى، حين كانت أسماء من قبيل إدريس بنزكري ترتبط بإمكانية فتح نقاش عمومي واسع حول الإصلاح السياسي والمؤسساتي.
ويستحضر كثيرون المفارقة التي انتهت إليها المؤسسة؛ فبينما تولى عدد من رفاق بنزكري السابقين مناصب رسمية وسياسية وحقوقية عليا داخل الدولة ومؤسساتها، اختفى تقريبا النقاش الذي كان يدافع عنه الرجل حول تعميق مسار الديمقراطية وحماية المكتسبات الحقوقية.
من المهم أن نشير إلى المؤسسة، التي حملت اسم أحد أبرز الوجوه الحقوقية بالمغرب، لم تعد حاضرة في النقاش العمومي أو في القضايا الحقوقية الكبرى، رغم التحولات التي شهدها المجال الحقوقي خلال السنوات الأخيرة.

وتولى المحامي حسن السملالي رئاسة المؤسسة في مرحلة لاحقة، غير أن المؤسسة لم تلبث أن توقفت عن النشاط بشكل شبه كامل. وحاولت "تيلكيل عربي" الاتصال به لاستجلاء أسباب هذا التوقف ومآل المؤسسة، لكنه رفض التعليق.
ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة سؤال مصير عدد من المؤسسات والفضاءات التي وُلدت في سياق مرحلة الإنصاف والمصالحة، وما إذا كانت قد تحولت تدريجيا إلى مجرد ذاكرة رمزية لمرحلة سياسية وحقوقية مضت، بعدما كانت تقدم باعتبارها مدخلا لترسيخ ثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية بالمغرب.
وبينما ما تزال صور إدريس بنزكري حاضرة في الذاكرة الحقوقية المغربية باعتباره أحد أبرز المدافعين عن المصالحة والعدالة الانتقالية، تبدو المؤسسة التي تحمل اسمه اليوم وكأنها تعيش عزلة صامتة، تختزل بدورها المسافة التي تفصل بين رهانات تلك المرحلة وواقع النقاش الحقوقي والسياسي الحالي.
