رُبَّ ضارّةٍ نافعة… حين كشف إخفاق الحصول على الكأس حقيقة نفوس الحاسدين

عمر بن داود

لم يكن خروج المنتخب المغربي من نهائي كأس إفريقيا مجرد خسارة رياضية عابرة، بل كان لحظة كاشفة بامتياز، لحظة عرّت ما كان يُدار في الخفاء وفضحت ما كان يختبئ خلف الأقنعة الدبلوماسية وشعارات الأخوة الإفريقية والعربية المستهلكة. خسر المغرب الكأس، نعم، لكنه في المقابل ربح ما هو أعمق وأخطر في الآن ذاته: الوضوح.

لقد عرف المغرب أخيرا، ودون أي لبس، مع من يتعامل. فمنذ صافرة البداية بدا واضحا أن المغرب لم يكن مجرد منتخب ينافس على لقب قاري، بل كان مشروع دولة متكامل، تنظيم محكم، بنية تحتية تضاهي المعايير الأوروبية، أمن احترافي، جمهور منضبط، وصورة بلد يعرف ماذا يريد وإلى أين يتجه. وهنا تحديدًا بدأت المشكلة، لا لأن المغرب كان ضعيفا، بل لأنه كان قويًا أكثر مما يحتمله الآخرون، قويا إلى درجة أربكت خصومًا اعتادوا الفوضى وتعايشوا معها، قويا إلى درجة جعل كأس إفريقيا مرآة قاسية كشفت هشاشة نماذج أخرى.

المفارقة المؤلمة أن المغرب لم يُحارب لأنه فاز، بل لأنه أحسن التنظيم، ولم يُستهدف لأنه تجاوز القوانين، بل لأنه التزم بها، ولم يُشكك فيه لأنه أخطأ، بل لأنه تفوّق. عندها خرجت أبواق السعار من مكامنها، في الجزائر حيث احتفل إعلام رسمي وشبه رسمي بالهزيمة المغربية أكثر مما يحتفل بأي إنجاز داخلي، وفي نواذيبو وتندوف حيث اختلطت الجغرافيا بالحقد، وفي مصر حيث لم تستسغ بعض المنابر أن يصبح المغرب مرجعًا إفريقيًا، وفي أحياء باريس ذات التواجد الجزائري حيث كشفت هذه الدوائر فرحها بهزيمة الفريق المغربي عن عقد قديمة لم تُحل بعد.

كل هذا لم يكن صدفة، فالمغرب تجاوز مستواهم جميعًا في الرؤية والبنية والاستقرار والقدرة على الجمع بين كرة القدم والسيادة، وهنا تحولت اللعبة من منافسة رياضية إلى أداة إسقاط نفسي، إلى وسيلة لتفريغ الحسد والضغينة، وإلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والتاريخية.

لم يُرد للمغرب أن يفوز، لا لخطأ ارتكبه، بل لنجاح حققه، نجاح أربك منظومات تعيش على التبرير وتخشى المقارنة وترتعب من نموذج يشتغل بصمت ويحقق النتائج دون ضجيج. ولهذا، وربما لأول مرة، يمكن القول بثقة كاملة إن هذه الخسارة كانت فعلا من مصاديق قولنا رُبَّ ضارّةٍ نافعة، لأنها أسقطت الأقنعة، وكشفت حجم الحقد الحقيقي، وأنهت وهم الأخوة الرياضية، وأكدت أن طريق المغرب سيكون دائما طريقا منفردا.

المغرب اليوم لا يحتاج إلى تصفيق الخصوم ولا إلى ودّ الحاسدين ولا إلى اعتراف من إعلام مأزوم، يكفيه أن يعرف أنه يسير في الاتجاه الصحيح، وأن كل هذا الضجيج ليس سوى دليل إضافي على التقدم.

لم نخسر الكأس، بل ربحنا الوعي، والدول التي فرحت لهزيمتنا لم تنتصر علينا، بل أعلنت خوفها منا، ومن يخاف لا ينافس، ومن يحسد يعترف ولو كرهًا بالتفوّق، أما المغرب فماض قدما كما كان دائما.