المغرب في مؤشر الانتقال الطاقي 2025.. تأرجح بين المبادرة الاستراتيجية والتعثّر التنفيذي

بشرى الردادي

في زمن تتسارع فيه ديناميات الطاقة نحو مصادر نظيفة، عاد المنتدى الاقتصادي العالمي ليصدر تقريره السنوي حول مؤشر الانتقال الطاقي لعام 2025، الذي يقيس قدرة الدول على بناء أنظمة طاقة آمنة، وعادلة، ومستدامة. ولا يقتصر هذا الانتقال على التحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة، بل يشمل إعادة هيكلة شاملة في الإنتاج والتوزيع والحوكمة والتمويل.

وفي هذا السياق، يسجل التقرير أن موقع المغرب يتأرجح بين المبادرة الاستراتيجية والتعثّر التنفيذي؛ حيث حلّ في المرتبة 70 عالميا من أصل 120 دولة، محققا 53.7 نقطة في المجموع العام، موزعة بين 58.6 في أداء النظام الطاقي، و46.4 في الجاهزية المؤسسية.

أما إقليميا، فجاء خامسا عربيا بعد الإمارات وقطر والأردن وتونس، وثالثا إفريقيا بعد كينيا وغانا؛ ما يضعه في الشريحة المتوسطة للدول ذات الأداء الطاقي، دون أن يُسجّل تحسنا جوهريا مقارنة بعام 2023.

تحوّل متعثر وسط تسارع عالمي

ومنذ إطلاق استراتيجيته الوطنية للطاقة عام 2009، حافظ المغرب على حضور طاقي طموح لكن دون دينامية تنفيذية موازية. ويشير التقرير إلى أن معدل التحسن السنوي في الأداء المغربي لم يتجاوز 1 في المائة، في حين بلغ المعدل العالمي هذا العام 1.1 في المائة، وهو الأعلى منذ جائحة "كوفيد". كما تراجعت المملكة مقارنة بترتيبها في نسخة عام 2023، في وقت صعدت فيه دول مثل نيجيريا ولاتفيا بفضل إصلاحات أكثر فعالية.

وبحسب تصنيفات الشرائح التي يعتمدها التقرير، يتموضع المغرب ضمن الدول التي تمتلك بنية متوسطة وجاهزية تنفيذية محدودة؛ ما يعكس ضعف القدرة على تحويل المشروعات إلى تغيير شامل في النظام الطاقي.

وعلى المستوى الإقليمي، حافظ على تفوقه على الجزائر ومصر، لكنه تراجع خلف تونس والأردن؛ ما يُظهر أن رأس المال الرمزي لقيادة المغرب للطاقات المتجددة في إفريقيا بات عرضة للتآكل أمام صعود فاعلين جدد أكثر سرعة وتنظيما.

بنية طاقية هشّة وأمن محدود

وفي مؤشر أداء النظام الطاقي، حقق المغرب 58.6 نقطة، مدعوما بإنجازات كبيرة في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية؛ أبرزها محطة "نور ورزازات". وساهم ذلك في رفع حصة الكهرباء النظيفة في شبكة الإنتاج، لكن التقرير يشير إلى أن هذا التوسع بقي محدود الأثر بيئيا، بسبب غياب منظومات تخزين فعالة، واستمرار الاعتماد على الفحم والغاز المستورد، وهو ما يُفقد البنية الجديدة جزءا مهما من مرونتها.

كذلك، لا تزال الطاقة المتجددة خارج القطاعات الأكثر استهلاكا؛ مثل النقل والصناعة؛ ما يُبقي كثافة الانبعاثات في مستويات مرتفعة. ويعاني أمن الطاقة من هشاشة ناتجة عن استمرار التبعية للواردات وضعف القدرات الوطنية على التوزيع الذكي وإدارة الطلب. ورغم الربط الكهربائي مع إسبانيا والنيجر، لم تنجح المملكة بعد في ضمان شبكة مرنة قادرة على امتصاص الصدمات أو الاستجابة لأزمات الإمدادات.

ومن ناحية العدالة الطاقية، ينوّه التقرير بتعميم الكهرباء في المناطق القروية، لكنه يسجل استمرار غياب سياسات تسعير عادلة، وضُعفا في الحماية الاجتماعية من ارتفاع تكاليف الطاقة. كما يبرز التفاوت الجهوي كإحدى نقاط الضعف؛ إذ تتفاوت معدلات الوصول إلى الكهرباء وخدماتها بشكل حاد بين الحضر والمناطق النائية.

عوائق مؤسسية وتنفيذية مزمنة

ويشير التقرير إلى فجوة واضحة بين وضوح الرؤية الرسمية في المغرب وصعوبة تحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ؛ حيث أحرز المغرب 46.4 نقطة فقط في مؤشر الجاهزية المؤسسية، وهو من أدنى المؤشرات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. المشكلة لا تكمن فقط في البنية القانونية أو التنظيمية، بل أيضا في ضعف الحوافز، وغياب سوق كهرباء تنافسية، وافتقاد لآليات تمويلية مرنة تستقطب الفاعلين الجدد.

من جهة أخرى، تعاني البنية التقنية من تأخر ملحوظ، خاصة في ما يخص العدادات الذكية ومنظومات التحكم الآني؛ ما يزيد من الفاقد الطاقي ويضعف كفاءة الشبكة. كما لم تنجح الدولة في خلق بيئة للابتكار المحلي في قطاعات المستقبل؛ مثل الهيدروجين الأخضر، والتخزين، أو الرقمنة الطاقية. ولا تزال برامج التكوين التقني والمجتمعي بعيدة عن حاجيات السوق؛ ما يعمّق الفجوة بين المشاريع الكبرى ورأس المال البشري اللازم لتشغيلها.

أضف إلى ذلك أن التمويل يُعد من أبرز العوائق. فالتقرير يشير إلى محدودية التمويل المحلي، وتعقيد شروط التمويل الخارجي، وغياب منظومة تحفيزية مستقرة؛ ما يحول دون تطوير مشاريع متقدمة في ظل مناخ استثماري هش.

الانتقال المناخي: أولوية غائبة استراتيجيا

ومن الجوانب التي تشدد عليها الوثيقة نفسها، الربط العضوي بين التحول الطاقي والمرونة المناخية. فالتغيرات المناخية لم تعد تهديدا مستقبليا، بل واقعا ملموسا يطال الأمن الغذائي، وندرة المياه، والاختلالات البيئية. والمغرب، كواحدة من الدول الأكثر عرضة للتصحر والجفاف في حوض المتوسط، مطالب بأن يُفعّل سياسات الانتقال الطاقي لا فقط من منطلق كفاءة الطاقة، بل باعتبارها ركيزة للأمن البيئي والاقتصادي.

ورغم أن الخطاب الرسمي يربط أحيانا بين التحول الطاقي ومؤتمرات المناخ الدولية، إلا أن التقرير يبرز غياب هذا الربط على مستوى السياسات التنفيذية القطاعية؛ ما يطرح علامات استفهام حول جدية إدماج "التحول المناخي" ضمن الأولويات التنموية الفعلية.

قوة جغرافية تفتقد سياسة خارجية

ويمتلك المغرب عناصر قوة جغرافية وطبيعية تؤهله ليكون فاعلا محوريا في المشهد الطاقي الإقليمي. الشمس والرياح، والقرب من أوروبا، والموقع الاستراتيجي الرابط بين إفريقيا وأوروبا، كلها ميزات واضحة. غير أن التقرير يُظهر أن هذه الإمكانيات لم تُستثمر بعد في صياغة سياسة خارجية طاقية واضحة؛ حيث لا تزال المبادرات في الربط الكهربائي، وتصدير الطاقة، أو التموقع في سلاسل الهيدروجين الأخضر، مبعثرة أو في مراحل تجريبية.

ولا تكمن الفرصة فقط في أن يكون المغرب مُصدرا للطاقة، بل أن يتحول إلى مركز قرار إقليمي في سياسات الانتقال. وهذا يتطلب استراتيجية نفوذ طاقي شاملة، لا تكتفي بالمشاريع التقنية، بل تسعى لصياغة تحالفات، وتنسيق سياسات، وبناء ريادة فعلية في منظومة الطاقة الجديدة.

من لا يواكب يخسر مكانه

ولا يقدم المنتدى الاقتصادي العالمي مجرد تصنيفات، بل ينذر بصراحة بأن من لا يمتلك خططا تنفيذية مترابطة وممكنة مؤسساتيا واجتماعيا، لن يجد لنفسه موطئ قدم في النظام الطاقي الجديد. فالمغرب، رغم طموحه المبكر وتقدّمه الرمزي، لم يعد ضمن الدول الرائدة فعليا في هذا المجال. وإذا لم تتحرك الإصلاحات بشكل جريء، عابر للمجالات، وشامل في رؤيته، فإن الرؤية ستبقى حبيسة الورق، بينما تتقدّم عليه دول كانت يوما تتطلّع إلى تجربته كنموذج.