هل سماء المملكة آمنة؟

اسماعيل روحي

إن تواتر التحذيرات الدولية، وتسجيل أعطاب بمنظومة الرادار وصدور تقارير رسمية عن جهات رقابية وطنية ودولية، تؤكد أن منظومة السلامة الجوية في المغرب تواجه أزمة حقيقية تتطلب تدخلًا فوريًا وحازمًا، وإعادة هيكلة شاملة.

إن أي تهاون أو تجاهل للمشاكل التي تعاني منها منظومة سلامة الملاحة الجوية قد يكون ثمنه غاليا ستدفعه بلادنا من سمعتها التي حافظت عليها، وسيادتها الجوية على بعد أشهر قليلة من تنظيم تظاهرات رياضية دولية ستجعلها تحت أنظار العالم.

 قائد طائرة يدق ناقوس الخطر

في منتصف ليلة 17 نونبر 2024، وجه قائد طائرة تابعة لشركة "إير فرانس" كانت تؤمّن الرحلة رقم AF1497، رسالة صادمة إلى مسؤولي المكتب الوطني للمطارات، دقّ فيها ناقوس الخطر بشأن تدهور خطير في إجراءات السلامة الجوية بمطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء.

الرسالة جاءت بلهجة حادة وصريحة، وتضمنت تحذيرًا صارخًا من احتمال وقوع حادث كارثي، متسائلًا في ختامها: "هل علينا انتظار كارثة حتى تتم معالجة هذا الخلل الخطير؟".

قائد الطائرة أوضح في رسالته أن الوضع، في صباح ذلك اليوم، كان غير مقبول سواء وفق المعايير المهنية أو الدولية، حيث كان مراقب جوي واحد فقط يتولى جميع المهام: ما قبل الطيران، المدرج، الأرض، البرج... وهو ما اعتبره استهتارًا مباشرًا بسلامة الطيران وحياة الركاب وطاقم الطائرات.

لقد أكد الطيار الفرنسي في وصف الوضع أن "تمرير الرسائل كان شبه مستحيل، وعندما لا يتم تجاوزك من قبل زميل آخر، فعليك الانتظار حتى ينهي المراقب الجوي المرهق مهامه الأخرى. والآن، وقد أصبح المدرجان قيد الاستخدام، فإن الإبقاء على مراقب واحد فقط يعد بمثابة تهكم سافر على مفاهيم السلامة الجوية".

هذه الرسالة الصادمة تنضاف إلى سلسلة من التحذيرات المتكررة من نقابات المراقبين الجويين، التي نبهت إلى أن الوضع بلغ درجة غير مسبوقة من الانحدار في معايير الأمن الجوي، لم تُسجل في تاريخ الملاحة الجوية المغربية.

وزير النقل يتدخل بلهجة شديدة لتنزيل "خطة عمل عاجلة"

أمام توالي الحوادث والإنذارات المقلقة، خاصة في مطاري محمد الخامس ومراكش المنارة، اضطر وزير النقل واللوجستيك، بصفته الرئيس المباشر لمجلس إدارة المكتب الوطني للمطارات، إلى توجيه مراسلة رسمية شديدة اللهجة، يوم 16 ماي 2025، إلى المدير العام للمكتب الوطني للمطارات.

المراسلة، التي يتوفر "تيلكيل عربي" على نسخة منها جاءت تحت عنوان "التحقيق في الحادث الخطير بمطار مراكش بتاريخ 27 أبريل 2025"، استندت إلى نتائج التحقيق الرسمي لمكتب التحقيق والتحليل لسلامة الطيران المدني (SG/BEA/25 71) الصادرة يوم 13 ماي 2025، والتي أكدت وجود اختلالات جسيمة تهدد سلامة الطيران.

وأكد الوزير، في مراسلته، أن النتائج كشفت ثغرات خطيرة ومستمرة في نظام المراقبة الجوية، مشددًا على أن "الوضع لم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار أو التراخي".

وطالب الوزير المكتب الوطني للمطارات بـ"تنفيذ فوري وحازم للتوصيات الملحقة، وتقديم خطة عمل مفصلة في أجل أقصاه 30 ماي 2025، تعكس التزامًا عمليًا بالخروج من هذا الوضع الخطير".

كما حمّلت المراسلة ذاتها المكتب المسؤولية الكاملة عن تأخر تنفيذ التوصيات السابقة التي ظلت حبرا على ورق، دون أي إجراء فعلي يذكر، رغم التنبيهات المتكررة من المديرية العامة للطيران المدني.

توصيات صارمة من مكتب التحقيق والتحليل لسلامة الطيران المدني

على ضوء الحادث الخطير الذي هزّ مطار مراكش في 27 أبريل 2025، أصدر مكتب التحقيق والتحليل لسلامة الطيران المدني خمس توصيات عاجلة وصارمة موجهة إلى المكتب الوطني للمطارات، تهدف إلى تفادي تكرار الحوادث.

جاء في مقدمتها إنشاء تردد أرضي مستقل في مطار مراكش (GMMX)، لتخفيف الضغط عن برج المراقبة وتمكين تحكم فعال في حركة الطائرات على الأرض، على غرار ما هو معمول به دوليًا.

وثانيها إطلاق نظام مراقبة أرضي (Surveillance au sol) يسمح برؤية وتتبع حركة الطائرات في منطقة المناورة، خاصة في ظروف الرؤية المنخفضة.

أما التوصية الثالثة فتعلقت بإعداد دليل مرجعي لتوحيد إجراءات التشغيل في برج المراقبة، مع تقييم دقيق لحجم العمل وتوزيع المهام وتحديد دور المشرف بوضوح.

فيما همت التوصية الرابعة تأهيلا عاجلا للمراقبين الجويين غير المعتمدين، إذ كشف التحقيق عن وجود 11 مراقبًا يزاولون مهامهم دون تراخيص ومؤهلات قانونية، ما يستوجب تدخلاً فوريًا لتنظيم دورات توجيه وتأهيل.

أما التوصية الخامسة فدعت لمراجعة اتفاقيات التشغيل بين مركز الاقتراب وبرج المراقبة بمطار مراكش، من خلال إعداد مذكرة تفاهم جديدة تحدد المسؤوليات والمسافات الفاصلة بين الطائرات والسلطة المشرفة على كل مرحلة.

مركز المراقبة الجوية لأكادير.. الوضع مقلق أيضا

التقارير لم تقتصر على مطاري الدار البيضاء ومراكش، بل أكدت أن مركز المراقبة الجوية لأكادير يعيش، بدوره، على وقع مشاكل مقلقة، إذ حذرت تقارير داخلية من اقترابات مقلقة بين الطائرات داخل المجال الجوي المغربي، ما يعزز صورة قاتمة عن تراجع معايير السلامة الجوية بالمملكة.

بعد تكرار حالات وشك تصادم الطائرات.. المراقبون يدقون ناقوس الخطر

في 9 مارس الماضي دق المراقبون الجويون، الذين يعتبرون أنفسهم في مواجهة مباشرة ويومية من أجل تأمين سلامة الملاحة الجوية بسماء المملكة، ناقوس الخطر بخصوص تكرار حالات وشك التصادم بين الطائرات في المجال الجوي الوطني.

وتوقف المراقبون الجويون، المنضوون تحت لواء المكتب الوطني الموحد للمراقبين الجويين، خلال الاجتماع المذكور الذي عقد بمقر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالدار البيضاء، عند التزايد الكبير لحركة الملاحة الجوية في الأجواء المغربية وفي المطارات، والتوقعات الواعدة جدا للنمو في القطاع، معتبرين أن الوضع يبقى مقلقا مع ارتفاع مؤشرات سلبية تهدد السلامة الجوية، مثل بروز حالات وشك التصادم المتكررة ومحاولة إدارة قطب الملاحة الجوية التستر عليها بدل إبلاغ مكتب التحقيقات التابع لوزارة النقل الذي عليه رفع توصيات السلامة لتجنب تكرار مثل هذه الحالات الخطيرة.

ولفت المراقبون الجويون إلى أن النقص الحاد في العنصر البشري المؤهل يزداد تفاقما في غياب أي رؤية واضحة، أو سياسة استباقية للتوظيف، خاصة مع اقتراب عدد مهم منهم من سن التقاعد. كما تشهد ظروف العمل في العديد من أبراج المراقبة الجوية عبر المملكة وبمركزي المراقبة الجهوية تراجعا خطيرًا، إذ تفتقر إلى أدنى شروط العمل اللائق، رغم الاستثمارات المهمة التي ترصدها إدارة مكتب المطارات.

وسجلت النقابة ذاتها أن الجهود التي يبذلها المكتب الوطني للمطارات في إعادة تهيئة المطارات وتوسعتها، تركز على البنية التحتية دون أن تكون هناك رؤية واضحة تستثمر في تحديث وتطوير منظومة الملاحة الجوية، التي تشكل العصب الأساسي الذي يضمن استيعاب النمو المتزايد لحركة الطيران. معتبرة أنه لم يظهر، إلى حدود اليوم، أي توجه حقيقي نحو الاستثمار في التجهيزات الحديثة، وتطوير أنظمة المراقبة الجوية، وتبني حلول تكنولوجية متقدمة تواكب تطورات المجال على المستوى الدولي. كما سجل المكتب غياب أي رؤية للاستثمار في العنصر البشري، سواء من خلال التكوين الأساسي أو المستمر، أو تحسين ظروف العمل والتحفيز، وهي عناصر أساسية لضمان جودة الخدمات الملاحية الجوية والحفاظ على أعلى مستويات السلامة والكفاءة التشغيلية.

حكاية بالونات حلقت أمتارا قليلة بجانب طائرات

في الثامن من ماي 2025، سجل برج المراقبة بمطار مراكش المنارة حدثا غير مسبوق بالنسبة لسلامة الملاحة الجوية جعل مديرية الطيران المدني تتدخل بسرعة من أجل إعادة الأمور إلى نصابها، ففي حوالي الساعة السادسة و32 دقيقة صباحا سجل ربان طائرة تابعة لشركة "رايان إير"، كانت تؤمن الرحلة الجوية رقم RYR94WH، وجود مناطيد سياحية غير بعيد عن المسار الذي كانت تسلكه الطائرة التي ستنزل بعد دقائق بمطار مراكش المنارة.

في اليوم نفسه والساعة ذاتها، أبلغ قائد الطائرة التي كانت تؤمن الرحلة الجوية رقم EJU1905  عن وجود بالونين إلى اليمين من النقطة OBEGA  الواقعة بتراب باشوية سيدي بوعثمان بضواحي مراكش، الأول أصفر اللون والثاني رمادي. هذا التحليق بالمنطقة المذكورة يمكن أن يشكل خطرا على سلامة الملاحة الجوية على اعتبار أن قائدي البالونين السياحيين خرجا من المجال الجوي المرسوم لهما من طرف المديرية العامة للطيران المدني.

ردود فعل مديرية الطيران المدني بخصوص هذا الخرق لم تتأخر كثيرا، إذ أصدرت هذه الأخيرة، بعد ثمانية أيام على الحادث، وبالضبط يوم 16 ماي 2025 خمسة قرارات بتوقيف شهادة الاستغلال التقني لثلاث شركات لمدة ستة أشهر بداية من يوم إصدار القرار.

المراقبين الجويين بقاعة القرب بمطار محمد الخامس فوجئوا، يوم الثلاثاء الماضي على الساعة العاشرة والربع صباحا، بعطب تقني لحق بنظام الرادار قامت الإدارة على إثره بتنقيل فريق العمل المداوم إلى مركز المراقبة الجهوية قصد تأمين استمرارية خدمة مراقبة القرب بالرادار.

ما جرى أثار استنكار وغضب المراقبين الجويين بسبب الطريقة التي تم بها تدبير هذه الحادثة، والتي شابها غموض وارتجالية وغابت عنها الحرفية المطلوبة، وهو ما جعل سلامة أجواء مطار محمد الخامس تحت المحك.

وأوضحت النقابة أنها لاحظت عقب الحادث غياب الإرشادات المهنية، من دليل ومذكرات ودوريات، وغياب بديل احتياطي للمنظومة الأساسية للمراقبة الجوية بالرادار، وعدم جاهزية مركز التكوين الجهوي (CIR) لتأمين هذه العملية (BACK – up).