*نور محمد رضا
لا يمكن اختزال الأزمة السياسية الراهنة في السنغال في خلاف شخصي بين الرئيس باسيروديومايفاي ورئيس وزرائه السابق عثمان سونكو. ما يجري أعمق من ذلك بكثير. إنها أزمة قيادة داخل معسكر وصل إلى الحكم باسم التغيير، ثم وجد نفسه سريعاً أمام سؤال حاسم: من يقود فعلياً السلطة الجديدة؟ الرئيس المنتخب دستورياً، أم الزعيم السياسي الذي حمل المشروع وألهم القاعدة الشعبية ومكّن مرشحاً آخر من الوصول إلى القصر؟
منذ انتخابات 2024، حملت التجربة السنغالية مفارقة دقيقة. ديومايفاي أصبح رئيساً للجمهورية عبر صناديق الاقتراع، لكنه وصل إلى هذا الموقع في ظل انتقال سياسي خاص. عثمان سونكو، زعيم حزب باستيف وأبرز وجوه المعارضة في مواجهة نظام ماكي سال، لم يتمكن من خوض السباق الرئاسي بسبب موانع قانونية ارتبطت بإدانته في قضية تشهير. لذلك جرى تحويل الرأسمال السياسي والشعبي الذي راكمه سونكو إلى ديومايفاي، الذي أصبح مرشح معسكر القطيعة مع النظام السابق.
هنا وُلد الالتباس الأول. فشعار «ديوماي هو سونكو» لم يكن مجرد عبارة انتخابية عابرة، بل كان آلية سياسية لنقل الثقة من الزعيم الممنوع من الترشح إلى المرشح البديل. كثير من الناخبين لم يصوتوا لديوماي باعتباره شخصية مستقلة بالكامل، بل باعتباره الامتداد المؤسسي لمشروع سونكو وباستيف. وبذلك نشأت ازدواجية في الشرعية: ديوماي يملك شرعية دستورية ورئاسية، وسونكو يحتفظ بشرعية حزبية ونضالية وشعبية وبرلمانية.
هذه الازدواجية كان يمكن أن تبقى قابلة للإدارة لو ظل الرجلان ضمن صورة موحدة للسلطة. لكن الأزمة بدأت حين تحول السؤال من من فاز بالانتخابات؟ إلى من يملك القرار داخل المعسكر الحاكم؟
حزب باستيف: ليس مجرد حزب داعم للرئيس
لفهم الأزمة، يجب فهم موقع حزب باستيف في السياسة السنغالية. فـ«باستيف»، أو «الوطنيون الأفارقة في السنغال من أجل العمل والأخلاق والأخوة»، ليس حزباً تقليدياً يدعم رئيساً وصل إلى الحكم ثم يذوب في محيطه. إنه الإطار السياسي الذي قاد التعبئة ضد نظام ماكي سال، واستقطب قطاعات واسعة من الشباب، وقدم نفسه كحامل لمشروع سيادي وأخلاقي واجتماعي جديد.
لهذا السبب، لا يرى أنصار باستيف أن ديومايفاي يستطيع إعادة تشكيل التوازنات السياسية كما يفعل أي رئيس تقليدي. فهم يعتبرون أن شرعيته السياسية الأصلية جاءت من الحزب ومن سونكو. أما ديوماي، بحكم موقعه الرئاسي، فيرى أن انتخابه من الشعب يمنحه سلطة دستورية كاملة، لا يمكن أن تبقى معلقة على موافقة الحزب أو زعيمه.
من هنا بدأ التصادم بين شرعيتين: شرعية الدولة وشرعية الحركة.
«ديوماي رئيساً»: نقطة التحول
المنعطف الأوضح في هذه الأزمة كان إعادة تنشيط ائتلاف «ديوماي رئيساً» وتعيين أميناتا توري على رأسه. قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد ترتيب تنظيمي داخل ائتلاف انتخابي. لكنه في الواقع حمل دلالة سياسية كبيرة.
ائتلاف «ديوماي رئيساً» كان الإطار الذي دعم ترشح باسيروديومايفاي في انتخابات 2024، بعد تعذر ترشح سونكو. أي أنه كان الأداة الانتخابية التي سمحت بعبور الشرعية من سونكووباستيف إلى ديوماي. لكن عندما حاول الرئيس المنتخب إعادة تفعيل هذا الائتلاف كقاعدة سياسية خاصة به، قرأ باستيف الخطوة باعتبارها محاولة لبناء مركز سياسي موازٍ للحزب.
زادت حساسية الخطوة بسبب اسم أميناتا توري، وهي رئيسة وزراء سابقة في عهد ماكي سال. بالنسبة إلى جزء من قاعدة باستيف، تعيين شخصية قادمة من النظام السابق على رأس ائتلاف ارتبط بانتصار معسكر القطيعة بدا وكأنه رسالة سياسية واضحة: الرئيس يريد توسيع قاعدته خارج باستيف، وربما بناء فضاء رئاسي مستقل عن سونكو.
لذلك لم يكن اعتراض باستيف مجرد خلاف على شخص أميناتا توري. كان اعتراضاً على من يملك الإرث السياسي لانتخابات 2024. هل هو الرئيس، لأنه فاز وأصبح رئيساً؟ أم الحزب، لأنه وفّر التعبئة والمشروع والقاعدة الشعبية؟
سونكو: رئيس وزراء أم زعيم موازٍ؟
في الأنظمة الرئاسية القوية، يكون رئيس الوزراء غالباً منفذاً لخط الرئيس. لكن الحالة السنغالية مختلفة. عثمان سونكو لم يدخل رئاسة الحكومة كشخصية إدارية أو تكنوقراطية. دخلها وهو زعيم الحزب الأقوى، وصاحب الشرعية النضالية، والوجه الأكثر تأثيراً لدى القاعدة الشبابية، والمرشح الطبيعي للانتخابات الرئاسية المقبلة في 2029.
هذا الوضع جعل رئاسة الحكومة تتحول من منصب تنفيذي إلى منصة سياسية. وجود سونكو في رئاسة الوزراء كان يعني أن مركز القرار لم يكن واحداً. الرئيس في القصر، لكن الزعيم السياسي الأقوى في الحكومة والحزب والبرلمان.
هذه الصيغة تحمل توتراً عميقاً في التجربة السنغالية. فمنذ أزمة ليوبولد سيدار سنغور ومامادو ديا سنة 1962، يميل النظام السياسي السنغالي إلى الحذر من وجود رأسين قويين في قمة السلطة. التاريخ الدستوري السنغالي أعاد مراراً تشكيل منصب رئيس الوزراء، حذفاً وإعادة وتقييداً، وفقاً لحاجة الرئاسة إلى التحكم في مركز القرار. لذلك لم يكن غريباً أن تتحول الثنائية بين ديوماي وسونكو إلى مصدر قلق مؤسسي.
الدين الخفي وصندوق النقد: خلاف في الأسلوب قبل المضمون
لم تكن الأزمة سياسية فقط. فقد ظهرت أيضاً في طريقة التعامل مع الملفات الاقتصادية الثقيلة، وعلى رأسها ملف الدين المخفي أو غير المصرح به بدقة خلال المرحلة السابقة، والعلاقة مع صندوق النقد الدولي.
هذا الملف بالغ الحساسية. فهو يمس مصداقية الدولة، ثقة المانحين، التصنيف السيادي، قدرة السنغال على الاقتراض، وهوامش الإنفاق الاجتماعي. أمام هذا الوضع، بدت هناك طريقتان داخل السلطة.
الأولى، أقرب إلى منطق الرئيس، تقوم على التهدئة والتفاوض الهادئ مع صندوق النقد والشركاء الماليين، لتقليل كلفة الأزمة على صورة الدولة وقدرتها على التمويل.
الثانية، أقرب إلى أسلوب سونكو، تقوم على فضح إرث النظام السابق، تحميله المسؤولية السياسية، وطرح الملف ضمن خطاب سيادي ينتقد أيضاً دور الشركاء الدوليين الذين لم يرصدوا أو لم يمنعوا الخلل المالي.
الخط الأول يريد حماية ثقة الأسواق. الخط الثاني يريد حماية شرعية الثورة السياسية. وبين الاثنين، أصبحت إدارة الاقتصاد جزءاً من أزمة القيادة.
لماذا أقال ديومايفاي عثمان سونكو؟
إقالة سونكو تبدو، في جوهرها، محاولة من الرئيس لحسم ازدواجية السلطة. فديومايفاي لم يكن يستطيع الاستمرار طويلاً كرئيس دستوري في ظل رئيس وزراء يملك قوة سياسية قد تتجاوز قوة المنصب نفسه.
للإقالة عدة أسباب محتملة.
أولاً، إعادة تثبيت أولوية الرئاسة. الرئيس أراد أن يذكر الجميع بأن مركز السلطة التنفيذية هو القصر، لا مقر الحزب ولا شعبية رئيس الوزراء.
ثانياً، إنهاء السلطة ذات الرأسين. وجود رئيس منتخب ورئيس وزراء زعيم للحزب والشارع والكتلة البرلمانية خلق وضعاً غير مستقر.
ثالثاً، منع رئاسة الحكومة من أن تتحول إلى منصة انتخابية لسونكو في أفق 2029.
رابعاً، استعادة التحكم في الخطاب الاقتصادي والدبلوماسي، خصوصاً في العلاقة مع صندوق النقد والمانحين والشركاء الخارجيين.
خامساً، فتح الطريق أمام إعادة تركيب قاعدة رئاسية أوسع من باستيف، عبر ائتلاف «ديوماي رئيساً» وشخصيات قادرة على بناء توازن سياسي جديد.
لكن الإقالة لا تنهي الأزمة. هي فقط تنقلها من داخل الحكومة إلى البرلمان والشارع. قبل الإقالة، كان الخلاف بين الرئيس ورئيس الوزراء. بعدها، قد يصبح الخلاف بين الرئاسة وأغلبية برلمانية لا تزال متأثرة بسونكو.
الخطر الأكبر: cohabitation سنغالية غير معلنة
السيناريو الأخطر هو نشوء تعايش صدامي بين الرئيس والبرلمان. ديوماي يملك الرئاسة. سونكو قد يحتفظ بالتأثير على باستيف وعلى الكتلة البرلمانية. إذا تحول هذا التأثير إلى معارضة منظمة أو مشروطة، ستدخل السنغال في أزمة قابلية حكم.
هذه ليست «cohabitation» كلاسيكية كما في الأنظمة شبه الرئاسية الأوروبية. إنها تعايش قسري داخل معسكر كان يفترض أنه موحد. رئيس من جهة، وحزب الأغلبية من جهة أخرى. الشرعية الدستورية في مواجهة الشرعية الحزبية. الدولة في مواجهة الحركة التي أوصلتها إلى الحكم.
هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل يستطيع النظام السنغالي امتصاص هذه الصدمة؟ أم أن البلاد ستنتقل من نموذج الاستقرار الديمقراطي إلى مرحلة شدّ مؤسسي طويل؟
التداعيات الإقليمية
تأتي الأزمة في لحظة حساسة غرب إفريقية. منطقة الساحل تعيش تفككاً أمنياً وسياسياً، والانقلابات العسكرية غيّرت موقع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، والخطابات السيادية أصبحت أكثر جاذبية لدى قطاعات واسعة من الشباب الإفريقي.
في هذا السياق، كانت السنغال تمثل نموذجاً مختلفاً: انتقالاً عبر الانتخابات، خطاباً سيادياً لكن داخل إطار مدني، وتجديداً سياسياً تقوده وجوه شابة. انهيار الانسجام داخل هذا النموذج سيضعف القيمة الرمزية للتجربة السنغالية.
أبعد من ذلك، قد يقلل الانشغال الداخلي لدكار من قدرتها على لعب أدوار إقليمية في ملفات الساحل، غينيا بيساو، غامبيا، الأمن البحري، والهجرة. فالسنغال القوية داخلياً يمكنها أن تكون وسيطاً ومركز توازن. أما السنغال الغارقة في صراع رئاسي برلماني، فستفقد جزءاً من قدرتها على المبادرة.
ماذا يعني ذلك للمغرب؟
بالنسبة إلى المغرب، لا تكمن المصلحة في الانحياز إلى طرف داخلي ضد آخر. السنغال شريك إفريقي مهم للرباط، سياسياً ودينياً واقتصادياً وأطلسياً. كما أن دكار تُعد من الدول الإفريقية الداعمة باستمرار للموقف المغربي بشأن الصحراء.
لكن الاستقرار الداخلي السنغالي يهم المغرب لعدة أسباب.
أولاً، لأن أي اضطراب طويل في دكار قد يبطئ التعاون الثنائي في مجالات الاقتصاد، البنوك، التكوين، الشؤون الدينية، الأمن الغذائي، والربط الأطلسي.
ثانياً، لأن صعود تيارات أكثر راديكالية أو أكثر حساسية تجاه التحالفات الخارجية قد يجعل السياسة الخارجية السنغالية أقل قابلية للتوقع، حتى دون تغيير مباشر في موقفها من الصحراء.
ثالثاً، لأن السنغال تمثل ركناً مهماً في الرؤية المغربية تجاه إفريقيا الأطلسية وغرب إفريقيا. ضعف هذا الركن لا ينسف المصالح المغربية، لكنه يقلل من سرعة تنفيذها وعمقها.
لذلك، الموقف الأنسب للمغرب هو الحفاظ على علاقة دولة بدولة مع دكار، تجنب أي اصطفاف شخصي، إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الرئاسة والحكومة والبرلمان وباستيف، والعمل على تحصين المكتسبات الدبلوماسية عبر المؤسسات لا عبر الأشخاص.
الخلاصة
أزمة ديومايفاي وعثمان سونكو هي أزمة بنيوية في السلطة السنغالية الجديدة. سونكو جعل ديوماي ممكناً سياسياً، لكن ديوماي أصبح رئيساً يملك صلاحية الحكم من دون سونكو. هذه هي العقدة.
الإقالة حسمت سؤالاً واحداً: من يملك السلطة التنفيذية؟ لكنها لم تحسم السؤال الأهم: من يملك الأغلبية السياسية التي جاءت بالتغيير؟
إذا تحولت القطيعة إلى تفاهم جديد، يمكن للسنغال أن تستعيد توازنها. أما إذا تحولت إلى مواجهة بين الرئاسة وباستيف، فقد تدخل البلاد مرحلة صعبة من التعايش الصدامي، بما يحمله ذلك من كلفة على الاقتصاد، الاستقرار الاجتماعي، الدور الإقليمي، وصورة السنغال كأحد أعمدة الديمقراطية في غرب إفريقيا.
أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بفاس*