بلاوي: العقوبات البديلة في قضايا الأطفال خيار حضاري وأخلاقي

محمد فرنان

 قال هشام بلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، إن "الدول تبنى بسواعد أبنائها، لذلك فشباب الغد هم أطفال اليوم، فلم تعد الثروات الطبيعية وحدها مقياسا لغنى الشعوب أو تقدمها، بل إن العنصر البشري هو قاطرة التنمية بمختلف أبعادها".

وأضاف، بمناسبة اللقاء الوطني حول موضوع "تنزيل العقوبات البديلة في ضوء العدالة الصديقة للأطفال" يومي 21 و 22 يوليوز 2025 بقصر المؤتمرات بالصخيرات، اليوم الاثنين، "لا يخفى على حضراتكم أن حرص بلادنا على شؤون أطفالنا يتأكد كذلك من خلال المصادقة على الاتفاقيات والصكوك الدولية التي تعنى بحقوق الطفل، ما جعل منه شريكا دوليا يعمل من أجل رفاه هذه الفئة، وهو انخراط تجلى من خلال سن قوانين وطنية تتماشى والقيم الكونية المتعارف عليها".

وأوضح أن "رئاسة النيابة العامة حرصت منذ تأسيسها على إيلاء هذه الفئة عناية خاصة عبرت عنها من خلال مجموعة من الدوريات والمناشير الموجهة إلى قضاة النيابة العامة تحثهم فيها على الاهتمام بقضايا الأطفال وتفعيل المقتضيات القانونية مع الحرص الدائم على تحري مصلحتهم الفضلى".

وفي نفس السياق، دعت رئاسة النيابة العامة، في الدورية رقم 18 بتاريخ 11 دجنبر 2024، إلى استغلال الفترة السابقة لدخول القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة حيز التنفيذ لفتح نقاش لتدارس أحكامه، وتحديد الطرق المثلى لتنفيذه، واستشراف الصعوبات التي يمكن أن تثار بهذا الشأن.

وذكر أن "رئاسة النيابة العامة إذ تنظم اليوم هذا اللقاء قبيل دخول القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، فهي تود أن تطرح للنقاش مجددا مرتكزا كان ولايزال ذا راهنية كبرى ألا وهو القراءة السليمة لغاية المشرع من هذا القانون وتسليط الضوء على أنجع السبل للموازنة بين سلامة تطبيق القانون والحفاظ على مصالح الأطراف المعنيين به، لاسيما عندما يتعلق الأمر بأطفال في طور التنشئة وبناء الذات، وهو الأمر الذي اهتمت به الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الطفل".

وأبرز المتحدث ذاته أن "الفلسفة التي تبنى عليها عدالة الأطفال تقتضي اعتبار جميع الأطفال في تماس مع القانون سواء أكانوا ضحايا أو جانحين أو في وضعية صعبة أو في وضعية إهمال، أطفال يحتاجون للحماية بالنظر لكونهم ضحايا عوامل وظروف شخصية وعائلية واقتصادية واجتماعية، أثرت على حياتهم ودفعت بهم إلى التماس مع القانون، ولهذا ينبغي على آليات العدالة أن تتقصى مصلحتهم الفضلى لبلوغ عدالة صديقة للطفل كنظام يتوخى أنجع السبل لتكييف الإجراء القانوني مع الظروف الخاصة للطفل ومصلحته الفضلى، وهو ما يدعو، أولا وأخيرا، إلى إبقاء الطفل في كنف أسرته ووسطه الحمائي الطبيعي، فكل انفصال عن البيئة الأسرية يعرض الطفل لأضرار متعددة ويهدد مستقبله وكيانه".

وأشار إلى أنه "مما لا شك فيه أن الإيداع بالمؤسسات السجنية هو آخر ملاذ يمكن اللجوء إليه، لذا يقتضي الأمر مناقشة مختلف بدائل العقوبات السالبة للحرية كالعمل لفائدة المنفعة العامة أو التدابير الرقابية الخاصة بالأحداث الجانحين، وغيرها من البدائل التي تتيح وفقا للقانون الجديد تفادي سلب حرية الأطفال، ومقاربة هذا الواقع تتطلب منا جميعا - قضاة، وفاعلين حكوميين، وأخصائيين، ومجتمعا مدنيا - أن ننظر إلى الأطفال نظرة المسؤول عن تقويم سلوكه وتهذيبه بذل زجره وعقابه، وأن نعمل جاهدين لتوفير بيئة قانونية وإنسانية تضمن لهم فرص الإصلاح والاندماج".

وأكد أن "هذا يجعل من العقوبات البديلة أحد الحلول الناجعة التي باتت تفرض نفسها اليوم، ليس فقط كوسيلة للتخفيف من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، ولكن أيضا كوسيلة لتحقيق العدالة الإصلاحية والإنسانية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال، فالسجن، كما نعلم جميعا، وسيلة لإعادة التأهيل، لكنه في حالات كثيرة، خصوصا بالنسبة للأطفال، قد يتحول إلى بيئة للتطبيع مع السلوك الإجرامي نتيجة تأثير الأقران والاختلاط معهم الشيء الذي قد يغذي فيهم مشاعر التمرد والانفصال عن المجتمع، ولذلك فإن مفهوم العقوبات البديلة في قضايا الأطفال ليس مجرد خيار قانوني فحسب، وإنما خيار حضاري وأخلاقي يعكس مدى نضج المجتمع وحرصه على بناء مستقبل أفضل لأطفاله".

وأفاد أن "القانون 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة جاء بتصور حديث لمعالجة القضايا التي تستوجب العقوبات السالبة للحرية، من خلال منح القضاء صلاحية استبدال العقوبات الحبسية النافذة بتدابير بديلة، تتيح للطفل في نزاع مع القانون قضاء عقوبته في بيئة طبيعية ومألوفة، مما يسهم في تقويم سلوكه وتيسير إدماجه في المجتمع، بالإضافة إلى ضمان استمرارية مساهمته في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، مع اعتماد نظام تتبع دقيق لتقييم أثر هذه العقوبات، تحت إشراف الجهات القضائية أو الإدارية المختصة وفقا لما ينص عليه القانون الخاص بتنفيذ العقوبات البديلة".

وأورد أنه "بالنظر إلى أهمية المقتضيات التي جاء بها هذا القانون في حق الأطفال في نزاع مع القانون، والخيارات التي أتاحها لقضاة الأحداث وكذا قضاة تطبيق العقوبات في إطار إقرار بدائل عن العقوبات السالبة للحرية، وكذا بالنظر للصلاحيات التي خولها للنيابة العامة المتمثلة في تفعيل الدور الاقتراحي لاعتماد العقوبات البديلة وتدخل النيابة العامة في تيسير تنفيذ العقوبات البديلة، والتفعيل الأمثل للصلاحيات المتصلة بتنفيذ كل نوع من أنواع هذه العقوبات".