دراسة: الهجرة لا تشكل مشروعا ديموغرافيا مقصودا لتغيير هيكل السكان بالمغرب

EUROPE-MIGRANTS/GREECE
خديجة قدوري

دعت ورقة بحثية تحمل عنوان "أسطورة التغيير الديمغرافي فهم التنوع الهجروي في المغرب"، من إعداد حسن بنطالب، إلى ضرورة اعتماد المغرب لاستراتيجية وطنية متناسقة تأخذ بعين الاعتبار تنوع أنماط الهجرة، والتنقلات المؤقتة أو الدائرية بالإضافة إلى الوقائع الاقتصادية والاجتماعية المحلية. وأن تدمج هذه السياسة إدارة التدفقات والاندماج الاجتماعي وحماية الحقوق، وتعزيز الإمكانيات الاقتصادية للسكان الأجانب.

وأوصت الوثيقة التي توصل "تيلكيل عربي" بنسخة منها، بتكييف السياسات على المستويين الإقليمي والمحلي، مع تقديم الدعم للسلطات المحلية لتلبية الاحتياجات الخاصة بالمهاجرين وتعزيز إدماجهم في الديناميات الإقليمية، نظرا لتركيز السكان الأجانب في المناطق الحضرية بشكل كبير.

ودعت إلى تحديث التشريعات المتعلقة بالهجرة، والتسوية القانونية، واللجوء، والحقوق الاجتماعية لضمان تنظيم واضح يحترم الحقوق، ويسهل استقبال المهاجرين ومساهمتهم في التنمية الوطنية. مشددة على أهمية تطوير حملات توعية تبرز التنوع الهجروي ومساهماته، لمكافحة الأحكام المسبقة وتعزيز التماسك الاجتماعي، في مواجهة التصورات السلبية لدى الرأي العام.

وسجل المصدر ذاته أن المغرب مطالب بمعرفة أدق للملفات والآثار الاقتصادية والاجتماعية للمهاجرين لضبط السياسات وتوقع التغيرات المستقبلية. وباعتبار المغرب نقطة عبور إقليمية، فعليه مواصلة وتعزيز شراكاته الثنائية والمتعددة الأطراف من أجل إدارة متكاملة وإنسانية وفعالة للهجرة.

وكشفت الوثيقة أن نتائج التعداد العام للسكان والسكن لعام 2024 تشير إلى استمرار نمو عدد السكان الأجانب في المغرب بوتيرة أكثر اعتدالاً. بمتوسط زيادة حوالي 5.6 في المائة سنويا على الصعيد الكلي. يتركز 95.2% من هؤلاء السكان في المناطق الحضرية، مع استمرار هيمنة المناطق نفسها التي كانت بارزة سابقاً، مما يعكس تحضراً واضحا وجذبا مستمرا للمراكز الاقتصادية.

وأوضحت أن الملف الديموغرافي للسكان الأجانب في 2024 يبقى شاباً، مع أكثر من نصف الأفراد متزوجين، ما يدل على استقرار عائلي متزايد. ويتميز هذا العدد بمستوى عال من التمدرس ونسبة نشاط تفوق تلك الخاصة بالمواطنين، ومعدل بطالة أقل. كما تلاحظ تنوعات في الوضعيات المهنية، حيث يعمل أكثر من نصفهم في القطاع الخاص، ويمارس أكثر من 20% منهم نشاطاً مستقلاً، مع وجود نسبة مهمة من أرباب الأعمال.

وأشارت إلى أنه بين عامي 2004 و 2024، جسد تطور السكان الأجانب في المغرب عملية ترسيخ هجرة منظمة اتسمت بارتفاع سريع في البداية مرتبط بحركات هجرة داخل إفريقيا وعبر البحر المتوسط يليه استقرار نسبي معزز باندماج اجتماعي و اقتصادي، وبالتالي فإن التوسع الحضري المستمر، وتنوع الأصول، وتعزيز بروفايلات أكثر تعليماً ونشاطاً اقتصاديا هي عوامل أساسية تدل على تجذر حقيقي.

وأفادت أن هذه التطورات تعكس أيضاً تأقلم المغرب مع دوره كمفترق طرق للهجرة الإقليمية، عبر سياسات تدريجية تهدف إلى تنظيم وجود الأجانب مع تسليط الضوء على مساهماتهم الاقتصادية والثقافية.

مع ذلك، فإن الفكرة السائدة التي تزعم أن الهجرة تهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي طوعي في البلدان المضيفة ترفض بقوة من خلال واقع تعقد وتنوع البروفايلات المهاجرة التي لوحظت على المستويين العالمي والمحلي.

وفيما يتعلق بتنوع الأصول والوضعيات ومسارات الهجرة، لفتت الوثيقة الانتباه إلى أن السكان المهاجرين ليسوا مجموعة متجانسة تتشارك مشروعا ديموغرافيا واحدا. فالهجرات تتكون من حركات متعددة بعضها للهجرة المؤقتة بغرض العمل، أو لأسباب عائلية، أو لمتابعة الدراسة، أو للجوء، وهكذا. هذه التصنيفات متعددة ومتطورة، مما يكشف عن مشاريع فردية وجماعية متنوعة بعيدة عن أي نية موحدة لتغيير ديمغرافي.

وأضافت أن الدراسات السوسيولوجية والديموغرافية تشير إلى أن المهاجرين غالبا ما يؤجلون أو يعيدون ضبط مشاريعهم العائلية والديموغرافية، حيث يؤجلون الزواج والإنجاب بسبب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بوضعهم المهاجر، وهذا التأخير يحد من تأثير ديموغرافي كبير وسريع.

وتابعت أنه غالبا ما تكون الهجرة ظاهرة مجزأة جغرافيا ومركزة في ممرات الهجرة أو مناطق جغرافية محددة، ومحصورة في أحياء أو مدن معينة.

هذه التوزيعات الجغرافية تحجم تأثير الهجرة على البنية الديموغرافية الوطنية بشكل عام، فمثلاً، يتركز الشتات الإفريقي جنوب الصحراء أساساً في عدد محدود من المناطق الحضرية بالمغرب، ولا يؤثر بشكل ملموس على السكان القرويين أو البنية السكانية الوطنية ككل.

وكشفت الوثيقة أن تنوع بروفيلات الهجرة، وتعدد أسبابها، والطابع المؤقت للعديد منها إلى جانب التوزيع الجغرافي المجزأ لوجودهم، يؤكد أن الهجرة لا تشكل مشروعا ديموغرافيا موحدا ومقصودا لتغيير هيكل السكان. مما يدعو إلى تجاوز الخطابات المبسطة، وبناء سياسات مبنية على تحليل ميداني وسياقي يعترف بالإسهامات العديدة للهجرة، ويستجيب بشكل متوازن للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.