إن الدينامية التي أطلقها شباب z و ما أسفرت عنه من إعادة النقاش إلى واجهة الفضاء العام، دفعتني للتفاعل مع الأحداث خصوصا في نقطتين استرعيتا انتباهي:
1. الحس الوطني في زمن معولم
يرى الفيلسوف المغربي الراحل محمد عابد الجابري أن الحس الوطني أو الهوية لها محددات ثلاث وهي الجغرافيا والتاريخ والثقافة. غير أن ما استوقفني أن هذا الجيل، رغم كونه معولما من حيث انفتاحه على العلم أو آليات التواصل والتعبئة التي يستعملها، أو معولما في جزء من قناعاته، خصوصا تشبعه بالقيم الكونية والحقوقية، حتى صار معياريا في التعاطي معها، ويعتبر أن أي انزياح عما يراه لدى شباب آخر ولو في سياق مختلف، هو إجحاف في حقه. كما أوضح هذا الجيل أنه يمتلك حسّا وطنيا عاليا، سواء من خلال التقدير والاحترام لثوابت الوطن (الدين، الوحدة الترابية، المؤسسة الملكية)، وسعيه إلى التغيير السلمي مع تحييد العناصر المخربة والتبرؤ منها، وكذلك التشبت بالوثيقة الدستورية كمرجعية جامعة مع احترام تام لطابقه العلوي والسفلي. هذا الوعي يظهر مناقضا لأطروحة طالما جرى الترويج لها، حول انحسار الدولة الوطنية والشعور الوطني في زمن العولمة من جهة، وعدم اهتمام الأجيال الجديدة بالشأن العام، وهو تناقض من داخل آليات العولمة وما تتيحه من تكنولوجيا.
2. البحث عن فعل عمومي يجيب على التطلعات الاجتماعية
إذا كانت أحداث النيبال قد شكلت فرصة سانحة لانبثاق وعي جديد لدى المواطن من أجل الانتقال إلى حياة أفضل، فإن خطابها يرمز إلى بحث عن الدولة المنقذة، على غرار ما وقع في أمريكا في 1929. جاءت هذه الاحتجاجات لتضع في صلب أولوياتها مطالب اجتماعية : الصحة، التعليم والتشغيل.
وهي مطالب ذات طابع اجتماعي مرتبطة بالسياسات العمومية، يجمع الفاعلون السياسيون وكافة شرائح المجتمع على شرعيتها. يبرز الاهتمام المتنامي بهذه القضايا أن منسوب السياسة لدى الشباب مرتفع عكس التمثلات التي كانت سائدة ورائجة.
كل عرض سياسي موجه للمستقبل يجب أن يرتكز إلى محددات ثلاث: الوطنية، المصداقية والواقعية.