العنف الاقتصادي داخل الأسرة بالمغرب: سيطرة ناعمة تخنق النساء (1/4)

تيل كيل عربي

نعيمة تشيشي

في بيوت كثيرة عبر ربوع المغرب، لا يصرخ العنف، بل يصمت. لا يترك كدمات على الجسد، بل يخلف ندوبا عميقة على الكرامة والحرية. إنه العنف الاقتصادي، ذلك الشكل غير المرئي من العنف الأسري، الذي يمارس غالبا في صمت، ويبرر بعادات قديمة وأعذار اجتماعية واقتصادية، تلبسه لبوس الطبيعي والعادي.

فرغم التقدم النسبي في النقاشات الحقوقية حول العنف ضد النساء، إلا أن الحديث عن هذا النوع من العنف لا يزال محدودا، في ظل غياب نص قانوني يجرمه بشكل مباشر وصريح.

التحكم في المال وسيلة للسيطرة

العنف الاقتصادي يمارس بأشكال متعددة، تبدأ من منع النساء من العمل أو امتلاك مالها الخاص، ولا تنتهي عند الاستحواذ على راتبها أو حرمانها من المصروف الأساسيبل  في حالات أخرى، تقصى النساء من حقهن في الإرث، أو تسجل ممتلكات الأسرة باسم الزوج فقط، دون اعتبار لمساهمة الزوجة، سواء كانت مادية أو معنوية.

وهذه الممارسات لا تقتصر على طبقة اجتماعية معينة، بل نجدها بشكل واضح في العديد من الأوساط، خاصة في المناطق القروية حيث تقابل مساهمة النساء بالصمت أو الإقصاء.

في الضيعات الفلاحية بإقليم الفقيه بن صالح، تعمل العديد من النساء إلى جانب أزواجهن، ولكن دون أن يتلقين أي مقابل مالي أو اعتراف بمجهودهن. تقول إحدى النساء (فضلت عدم الكشف عن هويتها)
"كنت أعمل مع زوجي في الضيعة، أستيقظ معه في الفجر، أعمل وأطبخ وأسقي المحاصيل، لكنني لم  احصل على أي أجر مقابل ذلك. في كل مرة أطلب بعض المال، يرد علي قائلا: 'كل شيء لنا'. ولكن في الحقيقة، كل شيء كان يخصه هو فقط.

تعكس هذه الشهادة، كغيرها، واقعا تعيشه العديد من النساء في المناطق القروية، حيث يمارس عليهن العنف الاقتصادي تحت غطاء الشراكة الأسرية، بينما تظل السيطرة المطلقة على الموارد بيد الرجل، حتى وإن كان العمل جماعيا.

الأرقام تكشف المستور

بحسب البحث الوطني حول العنف ضد النساء لسنة 2019، فإن العنف الاقتصادي يحتل المرتبة الثالثة من حيث الانتشار، بعد العنف النفسي والجسدي. وتشير المعطيات إلى أن هذا النوع من العنف يمارس غالبا داخل بيت الزوجية، حيث يصعب التبليغ عنه، بسبب صعوبة إثباته، وارتباطه العميق بثقافة تعتبر الرجل "رب البيت" وصاحب القرار المالي الوحيد.

تروي الأستاذة فاطمة(اسم مستعار) أستاذة التعليم الاعدادي بنواحي مدينة سلا"بطاقتي البنكية مسجلة باسمي، لكن زوجي هو الذي يأخذها ويتحكم في مصروفي. كل مرة أطلب درهما يراقب كيف أصرفه، وكأنني لا أملك حتى حقي في التصرف في  أموالي الخاصة. هذا الوضع يجعلني أشعر وكأنني مسجونة داخل علاقة لا حرية لي فيها ومايزيد الامر صعوبة هوالاهانة التي اتلقها من امي حينما تسأل عن حالتي المزرية وانه لا تليق بي مهنة التدريس  كون انني لا استطيع ان اتصرف في مالي الخاص

تضيف فاطمة:
العنف الاقتصادي لا يترك أثرا خارجيا، لكنه ينهك النفس ويقتل الاستقلالية. في بعض الأحيان يكون أقسى من العنف الجسدي لأنه يفقدك الثقة في نفسك ويجعل منك شخصا تابعا لا صاحب حق.

ورغم أن النساء المتضررات غالبا ما يتحملن التكاليف النفسية والاقتصادية لهذا العنف، فإن غياب الاعتراف المجتمعي به كـعنف حقيقييزيد من تعميق الأزمة، ويدفع العديد منهن إلى الاستسلام بدلا من المطالبة بحقوقهن.

ضعف الحماية القانونية

رغم صدور القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، فإن العنف الاقتصادي لا يزال خارج التغطية القانونية الصريحة. لا يعترف به كجريمة مستقلة، ولا توجد آليات فعالة للتبليغ عنه أو إثباته، مما يفرغ حق المرأة في الاستقلال المالي من مضمونه.

في هذا السياق، تؤكد لمياء، ناشطة حقوقية:
"لا يمكن الحديث عن تمكين اقتصادي حقيقي للمرأة، دون حماية قانونية تضمن استقلالها المالي، وتحميها من أشكال التحكم والسيطرة داخل بيتها."

هذا الضعف القانوني يفسر أيضا بعدم الاعتراف بعمل المرأة غير المؤدى عنه داخل البيت، أو مساهمتها في مشاريع عائلية دون توثيق أو تعويض، ما يجعلها في موقع هشاشة، حتى عندما تكون طرفا فاعلا في الإنتاج الاقتصادي للأسرة.

ما بين التقاليد والفقر

العنف الاقتصادي ليس فقط نتيجة سلطة ذكورية، بل يغذيه أيضا الوضع الاقتصادي الهش لكثير من الأسر. ففي بعض الحالات، يبرر الرجال سلوكياتهم بالضغوط المالية، أو بالخوف من "تفكك الأسرة" في حال امتلكت الزوجة استقلالا ماليا.
لكن الناشطات النسويات يعتبرن أن هذه التبريرات لا تخفي الجوهر الحقيقي للمشكل الذي هو استخدام المال كأداة لإخضاع المرأة، لا كشراكة لبناء الأسرة.

فمعركة التحرر من هذا العنف تتطلب إصلاحا قانونيا شجاعا، وتحولا ثقافيا جذريا، حتى لا تبقى النساء رهينات "المصروف"، وكي لا يصبح البيت الذي من المفروض أن يكون مأمنا، ساحة لصراع غير متكافئ على المال وعلى الكرامة.