تلوح معالم تحول بارز قد يضع حدا لحقبة ممتدة من النشاط البنكي الفرنسي بالمملكة، ويأتي ذلك في سياق تحولات متسارعة يشهدها المشهد البنكي الوطني.
إذ انتقلت أصول كبرى كانت خاضعة لـ "Société générale " الفرنسية إلى فاعل استثماري مغربي "سهام بنك". فيما تتجه أصول أخرى، وفق معطيات متداولة، لنقل رأسمال البنك المغربي للتجارة والصناعة "BMCI" إلى مجموعة "هولماركوم".
في هذا السياق، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع محمد العمراني بوخبزة، أستاذ القانون العام بجامعة عبد المالك السعدي، الذي أكد أن الاعتماد المالي المتبادل يجعل من انفصال الاقتصاد المغربي عن الفرنسي أمرا مستحيلا، مضيفا أن الترابط بينهما جزء أساسي من استدامة الاقتصاديات الحديثة.
هل يمكن اعتبار انسحاب البنوك الفرنسية من المغرب ضربة للاقتصاد المغربي أم مجرد إعادة ترتيب استراتيجي للأبناك نفسها؟
بالنسبة للعلاقات الاقتصادية المغربية الفرنسية معروف أنها علاقات متشابكة، ومن الصعب الحديث عن فك الارتباط ما بين الاقتصاد المغربي والاقتصاد الفرنسي على الخصوص، لأن هذا هو المنطق الذي تتأسس عليه الاقتصاديات العصرية، الاعتماد المتبادل، ويعتبر الجانب المالي من الجوانب أو الأدوات الأساسية في هذا الاعتماد المتبادل، واستدامة الارتباطات بين هذه الاقتصاديات.
فخروج الاستعمار الفرنسي وبقاء مجموعة من الأدوات الاقتصادية الفرنسية في المغرب كان واضحا، ولربما أننا نتحدث الآن عن توجهات جديدة بالنسبة للأبناك الفرنسية وكذلك الوضع الحالي للأبناك المغربية، المعلوم أن الأبناك المغربية الآن هي أبناك تطورت بشكل كبير جدا، ولها الريادة على المستوى القاري، والقدرة على مواكبة الاقتصاد الوطني، على اعتبار أن الأبناك تشكل أدوات مالية محورية في دعم الاقتصاد، لاسيما على مستوى الاستثمار، وقد استطاعت أن تفرض نفسها على مستوى القارة الإفريقية بشكل واضح.
الوضع الحالي للأبناك المغربية ينافس بشكل كبير الأبناك الأخرى التي كانت تشتغل لحد الآن داخل السوق المالي المغربي، وهذا الأمر فيه نوع من المنافسة، وبالتالي أظن أن الأبناك الفرنسية لم تعد قادرة على مواكبة الأبناك المغربية في تنافسيتها.
لاحظنا في السابق أن الأبناك الإسبانية التي كانت موجودة في المغرب، تراجعت وانسحبت من السوق الوطنية وتم اقتناؤها من الأبناك المغربية، هذه الأخيرة استطاعت أيضا اقتناء الأبناك الإفريقية مثل ما وقع في مصر أو دول أخرى. إذن، نحن نتحدث، اليوم، عن صعود لافت للأبناك المغربية وتحقيقها لأرباح خولت لها إمكانيات، إما اقتناء أسهم الأبناك الأخرى أو على الأقل أن الأبناك الأخرى لم تعد قادرة على منافسة الأبناك المغربية.
هل هذا الانسحاب جاء نتيجة ضغوط سياسية فرنسية أم انعكاس لتحديات مالية واقتصادية تواجه الأبناك بالمغرب؟
من الصعب الحديث عن ضغوط سياسية، لأن السياق الحالي يشهد تطورا حقيقيا حدث في الآونة الأخيرة في العلاقات المغربية الفرنسية، وأن هناك رغبة واضحة في استمرارية هذا التطور في العلاقات الثنائية، ولاحظنا عددا من الاتفاقيات المبرمة بين المغرب وفرنسا خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي للمغرب.
هاته الاتفاقيات تحتاج إلى تمويلات كبيرة ومبالغ هائلة سيتم ضخها في الاقتصاد الوطني وخاصة في الأقاليم الجنوبية، وهاته العملية تحتاج بالضرورة لمؤسسات بنكية فرنسية لكي تساهم في هذه الاختيارات التي اتخذتها فرنسا في علاقتها مع المغرب.
إذن، ربما لا يمكن أن نعتبر السياق السياسي أساسا، ففي اللحظة التي نلاحظ أن هناك تطورا في هاته العلاقة لا يمكن أن تكون الأبناك خارج هذا التطور، وبالتالي لا أعتقد بأي شكل من الأشكال أن هذا الانسحاب ناتج عن قرار سياسي في هذا الاتجاه بقدر ما هو راجع لإعادة هيكلة الأبناك الفرنسية، وكذلك لقوة وصعود الأبناك المغربية وقدرتها على تلبية الطلب الداخلي، لذا فالانسحاب هو انسحاب طبيعي.
كيف سيؤثر خروج الأبناك الفرنسية على مستقبل التعاون الاقتصادي المغربي الفرنسي، ونفوذ فرنسا في المنطقة؟
لا يمكن الحديث عن أي تأثير يذكر لأن هذا النوع من القرارات يدرس بشكل دقيق، ومعلوم أن فرنسا لن تنسحب من سوق تعتبر نفسها هي الشريك الأول، والثاني في تنافسها مع إسبانيا حول من سيحتل المركز الأول.
وهذا الأمر لا يمكن أن يتم بدون أبناك قادرة على أن تقوم بأدوارها، ثم إن السوق المغربية هي سوق واعدة، لاحظنا حجم التداولات التي تجري بين المغرب وفرنسا، كذلك لا ننسى أن هناك جالية مغربية مقيمة في فرنسا، وبالتالي هناك تحويل للعملات والأبناك لها نصيب من عملية التحويل هاته، إذن، كما قلت في البداية، هذا الترابط الحاصل بين اقتصاديات الدول الشريكة يجعل من الصعب الحديث عن إمكانية اتخاذ قرارات يمكن أن تؤثر على طبيعة هذه العلاقة.
الأبناك الفرنسية أعادت النظر في تقييم هذه العلاقة، كما قلت، بحكم الصعود لأننا نتحدث عن أبناك مغربية تحتل مراكز مسؤولة على مستوى القارة الإفريقية، فما بالك على المستوى الوطني.
وقد لاحظنا كيف أن الأبناك المغربية أصحبت لها القدرة على تمويل العديد من المشاريع الكبرى، على اعتبار أنها تمول مصانع كبيرة للأدوية وتمول تحلية المياه والقطارات فائقة السرعة إلى غير ذلك، لذا نعتبر أن الأبناك المغربية تتعافى وهذا قد يؤثر نوعا ما على حضور الأبناك الأجنبية.