"بوز فلو".. براءة من رحم الإدانة!

أحمد مدياني

عندما أنهيت قراءة صفحات محضر التحقيق مع مغني "الراب" جواد أسرادي، المعروف في الساحة الفنية بلقب "بوز فلو"، لم أكن أتوقع أن يصدر الحكم في حقه بثلاثة أشهر موقوفة التنفيذ وغرامة مالية قدرها 2000 درهم.

كانت أسطر المحاضر مخيفة جدا، وهي تربط كل كلمة جاءت في أغانيه بتهم ثقيلة تسير بمن يدان بها نحو المكوث خلف القضبان لسنوات.

ماذا وقع ليكون مضمون الحكم هكذا؟ من سحب صافرة طنجرة الضغط؟ ما هي الظروف التي ساعدت على تجنب الإدانة؟

أسئلة وجب البحث عن إجابة عنها، على الأقل لفهم لماذا لم تحضر نفس الحكمة والانتصار لروح القانون في ملفات أخرى، كان مضمون محاضر التحقيق فيها أخف بكثير مما تضمنته محاضر "بوز"، ومع ذلك انتصرت الإدانة على الحرية.

زادت جرعات التخوف من حكم ثقيل، لن يخرج معه "بوز" من زنزانته ليلة يوم أمس الخميس، مع أولى كلمات وكيل الملك، وهو يترافع بكل الأسلحة القانونية ويستحضر مقولات وكتب فلاسفة عصر الأنوار، بالإضافة إلى الاتفاقيات الدولية والأوروبية المعنية بالحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية للأفراد والمجتمعات.

مركزا في مرافعته على "مفهوم الحرية"، في مواجهة مغني "راب" يعتبر نفسه أقوى من يعبر عنها في كل أغانيه.

ماذا قال ممثل النيابة العامة عن "الحرية"؟

قال في تعريفه لمفهوم الحرية لدى فلاسفة عصر الأنوار، كمونتيسكيو من خلال كتابه "روح القوانين"، إن "الحرية هي الحق في فعل كل ما يسمح به القانون".

ثم انتقل إلى تعريف جان جاك روسو لـ"الحرية"، الذي يعتبر أنه "لا وجود لها خارج قوانين الدولة، وأن الحرية المدنية هي الوحيدة التي تجعل الإنسان سيد نفسه، وأن الإنسان يجب عليه أن يحترم حرية الآخرين".

استحضر نظرية العقد الاجتماعي، التي رأى أن من أسسها "احترام الجميع لحريات الآخرين"، معتبرا أن "المتابع لم يحترم الموظفين العموميين والمؤسسات".

ليسقط عن "بوز فلو"، "حصانة حرية الإبداع والفن"، شدد ممثل النيابة العامة على أنها "مع هذا الحق، بشرط أن يكون مؤطرا بقوانين تحترم حقوق الآخرين"، مقدما مجموعة من الأمثلة الواردة في الدستور المغربي والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

ليتطرق في ما بعد إلى الاتهامات الواردة في صك الاتهام ضد المتابع، وترافع بكل حزم وشدة ليقنع هيئة الحكم بأن "العبارات المستعملة واضحة الدلالة ويصعب النطق بها في أي مجتمع لأنها موغلة في الإهانة والانحطاط".

انتهت مرافعة ممثل النيابة العامة.

بعدها، جاء دور دفاع "بوز فلو" الذي أظهر ذكاء في معالجة ملفه من زاوية فنية صرفة.

كيف ذلك؟

دفاع مغني الراب أثار، أولا، نقاشا قانونيا يلبس رداء الفن، بعدما وضع مسألة "الانتقائية في المتابعة القضائية في صلب مرافعته"، مستحضرا نماذج لفنانين مغاربة آخرين، على رأسهم مغني الراب الشهير "دون بيغ"، ومعتبرا أن ما "يُنسب لموكله لا يخرج عن السياق الفني ذاته الذي يُمارس علنا دون مساءلة".

المحامي محمد الطاوسي، عضو هيئة دفاع "بوز فلو"، وصف المتابعة الجارية في حق موكله بأنها بنيت على "أسس غير سليمة".

وأشار المحامي إلى أن محاضر الضابطة القضائية "أدانت المتهم مسبقا، بدل الاكتفاء بجمع المعطيات"، وشدد على أن "الملف برمته يفتقد إلى الحياد اللازم في تقدير طبيعة التعبير الفني".

"مجرد كلمات فنية نابعة من كتابات مغن يعيش وسط مجتمع متفاعل ينقل همومه بالموسيقى". كانت هذه حجرة زاوية الدفاع عن "بوز فلو" أمام المحكمة.

تدعمها وقائع فنية سابقة، جعلها الدفاع وقود دوران عجلات أطوار المحاكمة بعيدا عن الطريق نحو البقاء خلف قضبان السجن.

حين سجل الدفاع أن موكله يحاكم على "أساس كلمات فنية، في وقت يتداول فيه الرأي العام أعمالاً فنية أخرى تتضمن عبارات أشد قسوة وحدة، دون أن تحرك في شأنها أية متابعة.

هنا، عاد الدفاع إلى مقطع من أغنية "البيغ" التي تضمنها ألبوم "مغاربة حتى الموت"، ومما جاء فيها "كتخافو من البوليس كتخافو من الجماعة"، وأغنية "المتنبي" للفنان "ديزي دروس"، التي تتضمن تعبيرات اعتبرها الدفاع أكثر جرأة من أغاني "بوز فلو".

الدفاع دعا، أيضا، هيئة المحكمة والنيابة العامة إلى الاطلاع على فيديو كليب أغنية "175 كلغ" للفنان "دون بيغ"، مركزا على الصورة الترويجية للعمل.

وجاء في مرافعته: "الصورة تُظهر الفنان جالسا على كرسي شبيه بالعرش واضعا قدمه على رقبة شخص آخر وحوله شخصيات كثيرة إما مقتولة أو ممثل بجثثها أو تم استعبادها...".

وحسب الدفاع دائما "هذه الرمزية لم تُثر أي متابعة قضائية، رغم ما تحمله من إيحاءات قوية".

واستمر الدفاع في استحضار "دون بيغ"، بالتذكير بأنه يعيش داخل المغرب ويتمتع بوضع اجتماعي مريح، بل حظي بتكريم رسمي، في إشارة إلى توشيحه بوسام من طرف الملك محمد السادس.

في مقابل متابعة موكله قضائيا، وهو ما يطرح، بحسبه، تساؤلات حول معايير الانتقاء في المتابعة، وليس حول مضمون الإبداع الفني في حد ذاته.

الدفاع، ولكي لا يسقط في فخ الترويج لتوسيع دائرة المتابعات بسبب الفن، شدد على أن "استحضار هذه الأمثلة لا يرمي إلى التشهير أو التحريض ضد فنانين آخرين، وإنما يهدف إلى إبراز الطابع الانتقائي في تطبيق القانون".

وختم مرافعته في هذا الشق بأن "فن الراب بطبيعته قائم على النقد والمواجهة الرمزية، وأن مقاربته يجب أن تتم في إطار حرية التعبير وليس بمنطق التجريم".

انتهت مرافعة دفاع "بوز فلو".

أطوار المحاكمة يوم أمس بصفرو أعتبرها درسا من دروس ضرورة استحضار أن القضاء بقراراته وما يدور داخل قاعاته ودهاليزه، وقود حقيقي، مع استحضار كيف يمكن استعماله، إما بجعله مادة حرق أو وسيلة احتراق لتدور العجلة نحو الأمام.

ما يهم الآن أن المغرب، اليوم، لن يضاف إلى رصيده روح أخرى سُجنت بسبب الكلمة، مهما كان الاختلاف أو الخلاف حول مضامينها... إيحاءاتها... رمزيتها...

ما يهم أكثر مما أنتجته فصول المحاكمة أن في صلب مرافعة النيابة العامة باستحضار "مفهوم الحرية" لإدانة "بوز"، كان عمقها تبرئته، حين قدم محاموه دفوعاتهم لأجل انتصار "حرية التعبير والفن"، ورغم الحبس موقوف التنفيذ والغرامة الرمزية، انتصرت الحرية والتعبير ولن يوجد خلف القضبان فنان، سلبت حريته بسبب كلماته.

ما بين مرافعة النيابة العامة ومرافعة الدفاع يكمن المفهوم الحقيقي للحرية، وكان يمكن أن تنتج البراءة لا الإدانة موقوفة التنفيذ...

مع ذلك، يمكن القول إن النتيجة النهائية لهذا الملف، بكل الثقل الذي جاءت به المحاضر، كانت "البراءة من رحم الإدانة".