دراسة: الموظفون فوق الأربعين يحتاجون عطلة 4 أيام في كل أسبوع

محمد فرنان

في الوقت الذي تدفع فيه الأنظمة الاقتصادية العالمية والسياسات العامة نحو تأخير سن التقاعد، أعيد تداول دراسة علمية صادرة عن معهد ملبورن للاقتصاد التطبيقي والبحث الاجتماعي بأستراليا، كشفت أن الموظفين الذين تجاوزوا سن الأربعين يبلغون ذروة كفاءتهم الذهنية عند العمل لمدة ثلاثة أيام فقط في الأسبوع.

وأوضحت الورقة البحثية، التي نشرت في فبراير من عام 2016 تحت عنوان "Use It Too Much and Lose It? The Effect of Working Hours on Cognitive Ability"، أي "استخدمه أكثر من اللازم وفاجئه بالخسارة؟"، والصادرة ضمن سلسلة أوراق عمل معهد ملبورن (Melbourne Institute Working Paper Series) تحت الرقم 7/16، أن النمط التقليدي للعمل القائم على خمسة أيام أسبوعيا يتحول، بعد بلوغ الأربعين، من كونه حافزا ذهنيا إلى عامل تدمير حقيقي للقدرات الإدراكية والوظائف الدماغية العليا.

ووفقا لتحليل بيانات دقيقة شملت أكثر من ستة آلاف وخمسمائة موظف وموظفة، وجد الفريق البحثي المكون من شينيا كاجيتاني وكولين ماكنزي وكاي ساكاتا أن هناك رابطا غير خطي بين عدد ساعات العمل ومستويات الذكاء والقدرة على المعالجة الإدراكية.

وتبين من خلال اختبارات الذاكرة العاملة والسرعة الإدراكية أن العمل لمدة تصل إلى خمس وعشرين ساعة أسبوعيا يمثل "المنطقة الآمنة" التي تساهم في تحفيز الدماغ والحفاظ على نشاطه وحيويته، وهي ما يعرف بمرحلة التحفيز الإيجابي.

لكن بمجرد تجاوز هذا السقف الزمني، تبدأ النتائج العكسية بالظهور بشكل حاد ومفاجئ، إذ يبدأ الإجهاد التراكمي في التغلب على المنفعة الذهنية، مما يؤدي إلى تراجع ملموس في الأداء العام للموظف.

وتشير الدراسة إلى أن العمل في منتصف العمر يعمل كـ"سيف ذي حدين"؛ فبينما يوفر الانخراط المهني التحفيز الفكري اللازم لمنع تدهور الوظائف المعرفية وحماية الدماغ من الخمول، فإن ساعات العمل الطويلة والمهام المعقدة التي تتجاوز الدوام الجزئي تحدث ضغوطا نفسية وجسدية تؤدي في النهاية إلى تآكل القدرات الإدراكية بدل تعزيزها.

ومن أكثر النقاط إثارة للجدل، والتي توقفت عندها الأوساط العلمية، اكتشاف الباحثين أن الموظفين الذين يعملون لساعات مجهدة تصل إلى ستين ساعة أسبوعيا سجلوا نتائج إدراكية أقل أحيانا من نتائج المتقاعدين أو غير العاملين، ما يثبت أن الإرهاق المعرفي المفرط والاحتراق الوظيفي قد يكونان أكثر ضررا على الدماغ من الخمول الذهني الناتج عن البطالة.

ويفسر الباحثون هذه الخصوصية المرتبطة بسن الأربعين بكونها مرحلة يبدأ فيها الجسم والدماغ في التطلب لفترات أطول من الترميم العصبي، وهي حاجة بيولوجية لا توفرها عطلة نهاية الأسبوع التقليدية المكونة من يومين فقط، فالتعب الناتج عن العمل المستمر يتراكم في الجهاز العصبي، ما يؤثر على سرعة رد الفعل، والقدرة على التركيز، والذاكرة قصيرة المدى.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن التأثير السلبي لزيادة ساعات العمل لا يطال جميع مهارات الدماغ بالدرجة نفسها، فبينما يميل الذكاء المتبلور (Crystallized Intelligence) – أي المعرفة المتراكمة والقدرة على القراءة – إلى الاستقرار بفضل الخبرة المهنية، يتأثر الذكاء السائل (Fluid Intelligence) – مثل سرعة معالجة المعلومات والذاكرة قصيرة المدى – بشكل حاد نتيجة الإجهاد بعد سن الأربعين.

وهذا يفسر لماذا قد يرتكب الموظفون الأكبر سنا أخطاء ناتجة عن السرعة أو تعدد المهام رغم امتلاكهم خبرة واسعة.

ومن الإضافات اللافتة التي كشفت عنها الدراسة، غياب أي فروق إحصائية جوهرية بين الرجال والنساء في كيفية تأثر وظائفهم الإدراكية بساعات العمل، فرغم أن النساء المشاركات في الدراسة كن يعملن في المتوسط 16.6 ساعة أسبوعيا مقارنة بالرجال الذين بلغ متوسط ساعات عملهم 26.9 ساعة، إلا أن منحنى التراجع الذهني بدأ في الظهور لدى الجنسين عند تجاوز عتبة 25 إلى 30 ساعة أسبوعيا، وهذا يشير إلى أن الحساسية تجاه الاحتراق الوظيفي في هذا العمر هي ظاهرة بيولوجية بشرية عامة تتجاوز الفوارق الجندرية.

وتطرح الدراسة فرضية مثيرة مفادها أن العمل بعدد ساعات معقول يعمل ك "نشاط ترميمي" للدماغ، إذ سجل الموظفون في سن الأربعين الذين يعملون بدوام جزئي (حوالي 25 ساعة أسبوعيا) نتائج إدراكية أفضل من المتقاعدين.

وهذا يعني أن الانسحاب الكامل من سوق العمل قد يسرع خمول الدماغ، تماما كما أن العمل المفرط ينهكه؛ فالحل ليس في التوقف عن العمل، بل في ضبط جرعته بما يتناسب مع احتياجات الدماغ للتعافي.

وتفسر الدراسة التراجع الذهني من منظور طبي أيضا، إذ ترتبط ساعات العمل الطويلة بزيادة مستويات هرمون الكورتيزول المسؤول عن الإجهاد، وفي منتصف العمر، يصبح الدماغ أكثر عرضة للتأثر بهذه الهرمونات التي قد تتسبب، بمرور الوقت، في أضرار هيكلية بالخلايا العصبية. كما أن العمل الطويل يقلص الساعات المخصصة للنوم وممارسة الرياضة، وهما ركيزتان أساسيتان للحفاظ على مرونة الدماغ العصبية بعد الأربعين.

وتضع الدراسة الحكومات أمام تحد جديد؛ فرفع سن التقاعد لتعزيز الاقتصاد قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا انخفضت جودة الإنتاج بسبب التراجع الإدراكي.

وبدلا من التركيز على زيادة عدد سنوات العمل، تقترح الدراسة التركيز على جودة ساعات العمل، مؤكدة أن الموظف الذي يعمل ثلاثة أيام بكامل قواه الذهنية قد يكون أكثر نفعا للمؤسسة من آخر يعمل خمسة أيام تحت وطأة الإجهاد المعرفي.

وأوصت الدراسة بإعادة النظر في هيكلة الوظائف، واعتماد نظام العمل المرن أو الجزئي بمتوسط ثلاثين ساعة أسبوعيا لمن هم فوق سن الأربعين، باعتباره المسار الأمثل للحفاظ على مخزون الخبرة البشرية والكفاءة الذهنية، وضمان استدامة الإنتاجية العالية بعيدا عن فخ الاحتراق الوظيفي الذي يهدد الصحة العقلية للقوى العاملة في القرن الحادي والعشرين.