شهرزاد عجرودي
على تخوم البادية، خرج صوت يضحك من وجع، ويهزأ من العالم وهو يعريه، الشاعر الساخر، بوعزة الصنعاوي، الصانع للدهشة، العابر بخطى الشعر بين ثقل العالم وخفته.
رأى النور عام 1963 بمدينة الرماني، على أطراف الريح، وحمل ملامح البدوي المجبول على البساطة والصلابة، يخفي تحت جسده الضخم قلبا رقيقا كنسمة جبلية.
ما إن تسمع قصائد بوعزة الصنعاوي، أو تقرأها، حتى تدرك أنك أمام شاعر حقيقي، حاضر البديهة، يسخر من نفسه كما يسخر من عائلته وأمه والدوار الذي نشأ فيه.
يحوّل تفاصيل حياته اليومية إلى مشهد كوميدي مثقل بالمعنى، يضعه على الحافة ويترك للمتلقي حرية التقاطه أو تركه يسقط.
إنه الشاعر الذي يمشي على حدّ البرق، زجال من طينة نادرة ومختلفة، يحمل في كفه سرّ السماء، ويهمس به للكلمات التي لم تولد بعد.
ديوانه الوحيد "ضحكت القصيدة" المنشور عام 2018، يكشف عن شاعر مغاير، قليل الورق، كثير المعنى. هذا الديوان أشبه بجرس صغير، يرنّ في قلب اللغة ولا يتوقف.
شعره اقتراب هادئ مما نؤجّل قوله، وقصيدته لا تُناسب القلوب المتحفّظة، بل تُخاطب من يملكون شجاعة الإصغاء.
يقول في قصيدته "ميزان الحرارة":
الدنيا مشرارة *** ورماتك ف بحول التيه *** نساتك ميزان الحرارة *** ونسيتي *** أول مرة في درتيه *** ماشي ضحك...لالا ***
وماشي طرارة *** ياك الميزان ب عينك شفتيه *** كان فيه مرض بخوف ملقم *** كان ابيض كان مرقم *** احنا نقولو مغسول *** لكن الطبيب يقول معقم *** وميزانا...*** ماشي بحال ميزان الرباط *** يتمص ويدار تحت الباط *** حيت هما سيور واحنا صباط *** وهاذ الميزان بينا شنعوه *** ك الباس ف بلادنا زلعوه *** واش المدينة تمصو *** وحنا نطلعوه...
يلتقط بوعزة المفارقة في كل شيء، يجعل الضحك رديفا للمرارة، حتى إن هناك من يلقبه ب "شارلي شابلن الزجل"، ربما لأن لديه هذه القدرة العجيبة على جرح القارئ وإضحاكه.
بدأ الكتابة منذ أن كان تلميذا في الابتدائي، اليوم هو أستاذ اللغة العربية، يُدرّس تلاميذ الثانوي التأهيلي، وفي الأمسيات يلقي قصائده بالدارجة المغربية، كأنه يعيد للعالم لغته الأولى.
قارئ ذكي نهم، يلتهم الكتب والروايات، وكذا الصحف والمجلات، ميالا إلى الفكر والفلسفة، وكل شيء يصلح للقراءة، بالعربية والفرنسية، والترجمات الجيدة إن وجدت. أصدقاؤه يتساءلون، متى يجد وقتاً ليأكل وينام؟
تعود شهرة الشاعر الزجال بوعزة الصنعاوي أيضا إلى طريقته في الإلقاء، تلك القدرة العجيبة على تحويل القراءة إلى فرجة مسرحية. ببذلته وقبعته اللأوروبية، وربطة الفراشة، كل تفصيل في اللباس هو امتداد للقصيدة نفسها، عالميّة الطلّة، محلية الروح، في لحظة نادرة يتقاسمها مع الجمهور، حتى الأجانب منهم الذين لا يفهمون الدارجة، يقفون بعد انتهاء الأمسيات على طريقة المعجبين، ينتظرون نجمهم المفضل، ويقولون بتأثر وبوح بالغ، "لم نفهم العامية التي تتحدث بها، لكن إحساسك عابر".
غير أن المحبة الواسعة التي يحظى بها بوعزة الصنعاوي، والإجماع النادر من الشعراء الزجّالين والكتّاب والمثقفين داخل المغرب وخارجه، لا تعني أنّ الرجل بلا زوايا ظلّ. فهو، كإنسان، يحتفظ بطباعه كما يحتفظ الشاعر بإيقاعه الخاص. بدويّ الروح، لا يقيم طويلًا في المواعيد. يفضّل الحرية على الدقة، والهواء على الجدولة. قد يعد بالحضور ولا يأتي، كأنّ الغياب جزء من طريقته في الوجود. ربما هو خوفٌ غامض من أن يُمسك به أحد، أو أن تتفتّت اللحظة بين يديه قبل أن يتمكن من التقاطها.
في حضوره، لا تستطيع أن تظل محايدا. إما أن تضحك حتى البكاء، أو تبكي حتى الضحك. وهو في الحالتين، يخطفك إلى منطقته الخاصة، حيث القصيدة ضوء أسود، والابتسامة جرح مضيء، والشعر مرآة تكشف ما نتهيب من رؤيته.
في المقاهي والشوارع، في الفصل الدراسي والبيت، لا يخلع بوعزة الصنعاوي معطف الدعابة، يضحك وهو يحكي عن أكثر الأشياء قسوة، كأنها حيلة ذكية لعدم الانكسار، أو قناع شفاف يمرّ عبره الألم دون أن يستقر. كمن يرمي حجرا في الماء، ثم يراقب الدوائر تتسع.
في قصائده يسخر من "روضة النصارى" التي يجدها أطهر من أحيائنا، يلوم أمّه التي أرضعت بنات الدوار وتركته بلا زواج طالما حولت كل بنات الحي أخوات من الرضاعة، أو يعيد تركيب صورة حبيبة متخيلة مستعيرا أشكالا كثيرة لنساء سكنَّ مخيلته الصغيرة وهو طفل في حمام مغربي. يكتب عن ميزان الحرارة، عن ورق الطواليط، وعن تلك الأشياء الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد، لكنه يرفعها إلى مقام السؤال الوجودي، وكأنه يقول، حتى تفاصيل الحياة الصغيرة تحمل عبء الوجود.
بوعزة الصنعاوي ليس مجرد شاعر بالعامية فقط، بل علامة فارقة في الزجل المغربي، وهو بصدد تأسيس صوته وتجربته الخاصتين، ووجوده في الساحة الثقافية المغربية، يعكس إضافة وغنى ضرورين.
تراه مرة واحدة، فتشعر أنك رأيته من قبل، لا في مكان محدد، بل في إحساس قديم. وجه لا يطلب الانتباه، لكنه يخطفه بهدوء.
قسماته، وتعابير وجهه، تنطق بالوعي والصمت والفهم، عينان عميقتان، تبلغان الغموض أحيانًا، كأنهما صندوقان صغيران يحملان توقيع الزمن على الروح، وفم، بنصف ابتسامة، وتفكير.
مع نظرات تحمل ثقل التجارب، وخفة الطفل الذي يراقب العالم باندهاش شديد.
يبتسم، فتذوب المسافات، ويصمت فتزهر الريح، خفيف، ساخر، موجوع، كغيمة تهرب من السماء، أو دهشة تتساقط على الصمت، إنه هنا وإنه بعيد، يواجه القدر بالضحك، ويضع العالم والقفشات في كفة واحدة.