ليلى شهيد.. امرأة تشبه المطر

تيل كيل عربي

شهرزاد عجرودي

منضبطة كدبلوماسية، متمردة كالشعر، تحمل حقيبةً صغيرة، بداخلها أوراقٌ ومفاتيحُ وصورُ أطفالٍ لم تلدهم، لكنهم كلّهم أبناؤها في اللغة والذاكرة.

ولدت الفلسطينية ليلى شهيد عام 1949، في بيروت التي كانت تعرف منذ الأزل كيف تحتضن الغريب وتورثه الحنين. على مرمى القلب من القدس الغائبة، في بيتٍ يفيض علمًا ونسبًا وذاكرة، من أمٍّ من عائلة الحسيني، التي تعتبر من أكبر العائلات الفلسطينية، تحفظ القدس كما تحفظ الأمهات أسماء أبنائهن، وأبٍ طبيبٍ يرمم الأجساد، كذلك جاءت ليلى لتُرمم الروح الفلسطينية المتشظّية في المنافي.

درست الأنثروبولوجيا وعلم النفس في الجامعة الأمريكية في بيروت. لم تكن تلك الفترة مجرد سنوات دراسة، بل انغماسًا مبكرًا في سؤال الهوية والعدالة.

كانت الجامعة آنذاك مسرحًا لجدلٍ سياسي محتدم، وكانت بيروت عاصمةً للمنفى الفلسطيني، فاختارت ليلى أن تكون شاهدةً ومشاركةً في الحلم.

وكان العالم صغيرًا بما يكفي لتختبر فيه ليلى شهيد صرامة الوعي وجمال الحضور، إلى جانب زميلتها في الدراسة والنضال، حنان عشراوي، إحدى قادة الانتفاضة الأولى، والمتحدثة الرسمية للسلطة الفلسطينية لاحقًا. شكّلتا معا أشهر فلسطينيتين على واجهة العمل السياسي والدبلوماسي.

حولت ليلى هذا العمل السياسي إلى شعر، والدبلوماسية إلى اعترافٍ إنسانيّ. في أيرلندا، وفي لاهاي، وكوبنهاغن، ظلت تمشي بملامح الشرق ومنطق الغرب، تضع فلسطين في جيب سترتها، وتفتحها على الطاولة كقصيدةٍ غير قابلةٍ للترجمة.

وكانت باريس تستيقظ كل صباحٍ على وجهها المتّزن وصوتها الهادئ الحازم. كلمةٌ واحدة منها كانت كافيةً لتعيد التوازن إلى مؤتمرٍ غارقٍ في الصمت.

من خلال طريقتها في الجلوس، نظرتها الواثقة، ونبرة صوتها المبلل بالحكايات، ظلت فلسطين تمرّ من خلالها إلى القلوب كأنها رسالة حبٍّ مؤجلة.

كيف يمكن لامرأةٍ أن تحمل على كتفيها قضيةً بأكملها دون أن تفقد أناقتها الداخلية؟!

ليلى شهيد لم تكن يوما دبلوماسيةً بالمعنى الإداري للكلمة. بل سفيرةً للشمس في زمن الظلال. حين يتكلم الآخرون بلغة القانون، تتحدث هي بلغة الوجدان الإنساني.
تؤمن أن الاحتلال لا يبرأ بتوقيع، وأن السلام لا يبدأ من الأوراق، وتعرف أن العالم يحبّ الأكاذيب الجميلة، لكنها طالما فضّلت الحقيقة ولو كانت مرة وجارحة.

يقولون إن المنفى يُرهق الحنين. لكن ليلى جعلت من المنفى مختبرًا للكرامة.
تزرع وردةً في وجه الجدار، أو تُشعل شمعةً في عين الظلم.

وفي قلب ذلك المنفى، عرفتها الحياة من زاوية مختلفة، حيث الدفء والحياة المشتركة.

ففي عام 1978، حملتها الأقدار إلى المغرب، في لقاءٍ جمع بين الاغتراب العربي والمنفى الفلسطيني، ارتبطت بالكاتب والناقد المغربي الكبير محمد برادة، أحد أبرز الأسماء التي كتبت الوعي الثقافي المغربي. وكان ذلك الزواج أكثر من حكاية شخصية، جسرًا ثقافيًا بين أدبٍ مغربيٍّ متأمل، وذاكرةٍ فلسطينيةٍ تنشد الخلاص.

وكما تعيش شجرة زيتونٍ في حديقةٍ أوروبية، تحت المطر الغريب، ظلت ليلى تحمل في جذورها طين القدس، وغناء البحر المتوسط.

عرفها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كما يُعرف الاتجاه الصحيح في العتمة، بينهما قرابة صامتة، لا يراها النسب، وتراها فلسطين. إذ كانت ليلى شهيد واحدةً من الذين يواصلون المشي دون أن يسألوا عن الضوء، لأنهم صاروا جزءًا منه.

وحين يسألونها: “أما زلت تؤمنين بالسلام؟”

تبتسم ابتسامةً يعرفها من رأى في عينيها شمس فلسطين، وتجيب: السلام؟ نعم… لكن شريطة أن يشبه الحقيقة.

ومنذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مثلت منظمة التحرير الفلسطينية في المحافل الدولية، فكانت سفيرة فلسطين لدى أيرلندا بين سنتي 1989 و1990، قبل أن تنتقل إلى هولندا في الفترة ما بين 1990 و1993، حيث اشتغلت على ترسيخ الحضور الفلسطيني داخل فضاءات سياسية كانت تجهل أنذاك عمق القضية وأبعادها.

ثم أدارت المكتب الإعلامي في لاهاي، قبل أن تُعيَّن سفيرة مندوبةً في هولندا والدنماركما بين سنتي 1992 و1993، ثم سفيرة في فرنسا عام 1993 إلى غاية 2005. في هذه الفترة بالضبط ستتحول ليلى شهيد إلى واحدة من أبرز الوجوه الدبلوماسية الفلسطينية في أوروبا، حيث عرفت بقدرتها الهائلة على الجمع بين صرامة التمثيل الرسمي، ومرونة الخطاب الثقافي الموجّه للرأي العام.

وفي نفس المرحلة بين سنتي 1993 و1996، شغلت أيضًا منصب مندوبة فلسطين الدائمة لدى منظمة اليونسكو، حيث دافعت عن الذاكرة الفلسطينية بوصفها تراثًا إنسانيًا مهددًا.

تعرف ليلى شهيد أن الوجدان الأوروبي يحتاج إلى قصةٍ وليس إلى بيان، فكانت تروي فلسطين كما تُروى الأساطير، بصدقٍ وحنينٍ ودهشة.تجمع بين الصرامة والنعومة، بين اللغة كأداة نضال، والابتسامة كفنٍّ في المقاومة.

وظلت تردد أن الاعتراف بإسرائيل دون اعترافٍ بدولة فلسطينية، كان خطأً استراتيجيًا.
ثم جاءت زيارة 1994، حين وطأت قدماها الأرض الفلسطينية لأول مرة.تقول الرواية إن دموعها سبقت كلماتها، بكت كما تبكي المدن حين ترى وجوهها في المرآة. فالعودة لا تشفي، لكنها تمنح للجرح معنى.في ذلك اليوم، فهمت ليلى أن النضال لا يكتمل إلا حين يلمس الأرض، وأن الحنين وحده لا يُحرّر.

من باريس إلى بروكسيل، ومن الأمم المتحدة إلى اللقاءات الشعبية، حملت قضيتها كما تحمل المرأة طفلًا في زمن الخوف، بحذرٍ وحنانٍ وإصرارٍ على الحياة.وفي الفترة ما بين 2006 و2015، تولّت ليلى شهيد مهامًا مضاعفة، بصفتها سفيرة فلسطين لدى بلجيكا، وسفيرة لدى الاتحاد الأوروبي، فكانت صوت فلسطين داخل مؤسسات القرار الأوروبي، في واحدة من أدق مراحل الصراع وأكثرها التباسًا.

تضع ليلى شهيد القضية الفلسطينية على الطاولة دون أن تلوّح بها. وتعرف مسبقا أن من لا يملك ذاكرةلا يملك حجة. فتترك محاوريها الصهاينة على القنوات التلفزيونية يغرقون في التفاصيل، بينما تمسك هي بالخيط الأخلاقيّ للمعنى. وفي نهاية الحوار،لا يبدو أنهم خسروا النقاش فحسب، بل خسروا صورتهم، أمام عالمٍ يرى بهدوءٍ جارح، كم تبدو القوّة هشّة حين تفتقد للعدالة.

في حياتها، كما في خطابها، امتزجت السياسة بالشعر.إذ تعرف ليلى شهيد حق المعرفة أن القضية الفلسطينية ليست أرقامًا في نشرات الأخبار، بل حكاية بشرٍ يُغنّون للحياة وهم يُحاصرون أو يقتلون.

إنها من الأسماء القليلة التي عبرت السياسة دون أن تُدنّسها. مرت كما يمر النور من زجاج صاف.

وربما لهذا السبب أحبها المثقفون قبل السياسيين، والفنانون قبل الدبلوماسيين.
شخصية قادرة على أن تكون في منتدى ثقافيٍّ أو قاعة أممٍ متحدةٍ بنفس الحضور.

ترى في كل طفلٍ في المخيم صورةً للوطن المؤجل، وفي كل امرأةٍ صامدةٍ على الحاجز عنوانًا لفلسطين الممكنة.

إنها المرأة التي مشت فوق الهشيم ولم تحترق.

اليوم، حين تُذكر ليلى شهيد، يُستعاد معها زمنٌ النقاء السياسيّ.

هي الوجه الأنثويّ لفلسطين، لا لأنها امرأة، بل لأنها جعلت من الأنوثة طريقة في النضال.

أن تكوني ناعمةً كنسمة، صلبةً كجدار، وأن تحملي وطنًا في حقيبةٍ صغيرة دون أن تسقطي. فهذا يعني أنك ليلى شهيد، المرأة التي تشبه المطر.