لم يكن أحمد رؤوف يتوقع أن تتحول رحلته القصيرة نحو شمال المغرب إلى تجربة ثقيلة الوطأة، ستدفعه إلى مغادرة مدينة الفنيدق خالي الوفاض، مثقلا بأسئلة بلا أجوبة. شاب مصري يبلغ من العمر 27 سنة، دخل التراب المغربي بطريقة قانونية ورسميّة، يقول إنه تعرّض لاعتداء جسدي وسلب مالي من طرف أشخاص قدّموا أنفسهم كأعوان سلطة، في واقعة يروي تفاصيلها اليوم لـتيل كيل عربي.
وصول عادي… وبداية غير متوقعة
يقول أحمد إن دخوله إلى المغرب تم بشكل قانوني عبر رحلة جوية قادمة من مصر بتاريخ 28 دجنبر، على أن تكون عودته في 28 يناير. بعد أيام من التنقل، قرر رفقة صديق له التوجه إلى الفنيدق، حيث استأجرا غرفة سكن بحي الشبار يوم 8 يناير.
بعد حوالي ساعتين فقط من وصولهما، يضيف المتحدث، فوجئا بدخول مجموعة من الأشخاص إلى مقر السكن، يعرّفهم أحمد بأنهم "معاونون للشرطة وعناصر من القوات المساعدة". وحسب روايته، قام هؤلاء بالاعتداء على صديقه جسديا، وعندما حاول التدخل للسؤال عن سبب الضرب، تعرض بدوره للاعتداء.
اتهامات بالسلب وترحيل قسري
وفق الشهادة نفسها، يقول أحمد إن المجموعة استولت من صديقه على مبلغ يناهز 800 دولار أمريكي، إضافة إلى مبلغ بالدرهم المغربي، فيما تم سلبه هو شخصيا 200 يورو و350 درهمًا. بعد ذلك، تم اقتيادهما إلى سيارة، ليكتشفا وجود مواطنين مصريين آخرين بداخلها.
ويتابع: "عند الوصول إلى نقطة قريبة من الحدود، تم إنزال جميع المصريين باستثنائنا أنا وصديقي، بدعوى أن هناك تحقيقا سيُجرى معنا". لكن بدل نقلهما إلى مقر أمني، يضيف أحمد، طُلب منهما الاستلقاء في أرضية السيارة "كما لو أن الهدف هو ألا يكون هناك أي دليل على وجودنا أو توقيفنا".
على هامش الطريق… ونهاية التدخل
بحسب روايته، تم إنزالهما لاحقا عند مخرج مدينة الفنيدق، حيث جرى توقيف سيارة أجرة متجهة إلى تطوان. وعندما أخبرا العناصر بأنهما لا يتوفران على أي أموال، وبعد إلحاح، يقول أحمد إنهم أعادوا له 50 يورو، بينما أُعيد لصديقه 200 دولار، قبل أن يُطلب منهما المغادرة.
من تطوان إلى الفنيدق… مسار شكاية بلا نتيجة
في تطوان، توجّه أحمد وصديقه إلى الشرطة، حيث تم إبلاغهما بأن الشكاية يجب أن تُقدّم في مكان وقوع الحادث. عادا إلى الفنيدق، وتوجها إلى الشرطة القضائية، حيث تم الاستماع إلى أقوالهما، وفق قوله.
ويضيف أن شخصا قال إنه أحد من استولوا على الأموال، تم استدعاؤه رفقة رئيسه، لكنهما أنكرا الواقعة بالكامل، بل أنكرا حتى التواجد في المكان. واستمرت مسطرة الاستماع، حسب أحمد، ثلاثة أيام، كان خلالها يقيم في فندق بالمدينة إلى أن نفدت موارده المالية، ما اضطره إلى مغادرة الفنيدق. وتم تدوين أرقام الاتصال الخاصة بهما في المحضر، "على أساس أنه سيتم التواصل معنا"، يقول أحمد، “لكن لم يتصل بنا أحد إلى اليوم".
حسابات صعبة
أحمد، الحاصل على بكالوريوس في العلوم الرياضية وماجستير في الترويح الرياضي، اشتغل سابقا في ليبيا والسعودية ومصر. ويقول إنه كان في إجازة من عمله بالسعودية، وإن عائلته لا تعلم شيئا عن رحلته إلى المغرب، مفضلا إبقاء الأمر طي الكتمان.
ويكشف، في جزء شخصي من روايته، أن رحلته إلى المنطقة كانت مرتبطة بمحاولة تسوية وضعه العائلي، بعد ارتباطه بامرأة إسبانية عادت إلى بلدها وهي حامل بابنه. حاول، بحسب قوله، التقدم بطلبات قانونية للمّ الشمل عبر قنوات نظامية، دون نجاح، ما دفعه إلى التفكير في خيارات أخرى، قبل أن يتوقف كل شيء عند هذه الواقعة.
بين الصمت والانتظار
يؤكد أحمد أنه لم يتواصل مع السفارة المصرية، مفضلا عدم "تكبير الموضوع" خوفا من الترحيل أو تعقيد وضعيته. ويختم شهادته بالقول: "أنا لا أطالب باسترجاع المال… أعتبره ضاع أو ذهب لمن هو محتاج. ما أريده فقط هو أن تُروى القصة كما هي".
وفي غياب توضيح من السلطات المعنية، تبقى هذه الرواية في خانة الشهادة التي تطرح، مرة أخرى، أسئلة حول معاملة الأجانب، وحدود السلطة، وآليات التظلم، خاصة في المناطق الحدودية الحساسة.
السلطات "صامتة" لكنها "تتحرك"
بدأت سلطات عمالة المضيق الفنيدق، إجراءات إدارية في قضية الاتهامات المتعلقة بسلب مهاجرين أجانب من لدن من يشتبه في كونهم أعوان سلطة محليون.
وفي هذا الإطار، أفادت مصادر محلية أن عمالة المضيق-الفنيدق قررت توقيف عون سلطة يشتغل بالمدينة بشكل مؤقت، في انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث الجارية، وذلك بعد ورود شكايات تتهمه بالضلوع في ممارسات غير قانونية أثناء تدخلات ميدانية همت مواطنين أجانب من الجنسية المصرية.
ووفق المعطيات المتوفرة، فقد خضع المعني بالأمر لاستجواب إداري داخلي، تزامنا مع فتح بحث قضائي من طرف مصالح الأمن بالفنيدق، تحت إشراف النيابة العامة المختصة، بهدف التحقق من ملابسات الوقائع المبلّغ عنها، وتحديد المسؤوليات المحتملة، في احترام تام لمبدأ قرينة البراءة والمساطر القانونية الجاري بها العمل.
لكن الملف يتطور بشكل متسارع، فقد تقدم مواطن مصري ثان بشكاية جديدة، اتهم فيها أعوان سلطة آخرين بسلبه ومرافقيه مبلغا ماليا قال إنه يناهز 600 دولار. وعلى إثر ذلك، أعطت النيابة العامة بتطوان تعليماتها باستدعاء باقي المرافقين للاستماع إلى أقوالهم، في إطار توسيع دائرة البحث والتثبت من الوقائع المصرّح بها.
وقال مصدر من هذه السلطة، إن السلطات الإقليمية تتعامل بجدية مع كل ادعاء يتعلق بتجاوزات محتملة، مبرزة أن فتح التحقيقات وتوقيف المشتبه فيهم مؤقتًا يعكس حرص الدولة على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدم التساهل مع أي سلوك من شأنه المساس بحقوق الأشخاص أو الإضرار بصورة المؤسسات.
ملفات سوء معاملة مهاجرين بالفنيدق تعود إلى الواجهة
أعاد الجدل المثار أخيرا حول شكايات مواطنين أجانب بالفنيدق، يتهمون فيها أعوان سلطة بسوء المعاملة، إلى الواجهة وقائع سابقة تعود إلى شتنبر 2024، حين وثّقت صور ومقاطع فيديو متداولة على نطاق واسع ما وُصف آنذاك بـ"انتهاكات خطيرة" في حق مهاجرين غير نظاميين حاولوا اقتحام السياج الحدودي بين المغرب ومدينة سبتة المحتلة.
ورغم مرور عام ونصف على تلك الأحداث، لم تُعلن النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بتطوان، التي كانت قد أكدت فتح تحقيق بشأنها، عن أي خلاصات أو نتائج رسمية، ما فتح الباب أمام تساؤلات متجددة حول مآل تلك الملفات وحدود المحاسبة في قضايا تتعلق بتدبير الهجرة غير النظامية.
وكانت مواقع التواصل الاجتماعي قد تداولت، وقتئذ، مقاطع فيديو وصورا تُظهر تدخلات خلال تفريق مهاجرين، بعضهم في وضعية هشاشة، خلال محاولات عبور جماعي. وبرز ضمن تلك المشاهد عنصر من رجال السلطة برتبة "قائد"، يعمل آنذاك بمدينة المضيق، وهو يشارك في عمليات وُصفت بأنها "إبعاد قسري" للمهاجرين.

في البداية، شككت السلطات المحلية في صحة تلك المقاطع، واعتبرتها "مفبركة"، غير أن هذا الطرح سرعان ما انهار مع توالي المعطيات البصرية، وتطابقها مع مواقع وأشخاص معروفين في محيط التدبير الإداري المحلي.
وأمام تصاعد الانتقادات، أعلنت النيابة العامة بتطوان، في بلاغ مقتضب، فتح تحقيق لتحديد ملابسات ما جرى وترتيب المسؤوليات المحتملة. غير أن الملف ظل، منذ ذلك الحين، دون مستجدات معلنة، في وقت فاجأت فيه السلطات الجميع لاحقا بترقية رجل السلطة الذي ظهر في المقاطع المصورة إلى منصب باشا بمدينة الفنيدق، القريبة من المعبر الحدودي نفسه.