أشارت الدكتورة أمال بنبراهيم، أستاذة العلاقات الدولية بكلية العلوم القانونية والسياسية – ابن طفيل، إلى أن اعتماد موقف أوروبي جديد بشأن الصحراء المغربية، يعتبر أن "حكما ذاتيا حقيقيا قد يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق" من أجل التسوية النهائية للنزاع الإقليمي، يمثل "انتقالا من المنطقة الرمادية الفاصلة بين السياسي والقانوني، إلى دعم الحل الواقعي".
وأضافت، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن "المعنى المؤسسي لهذا التطور لا يقل أهمية عن مضمونه السياسي، فالبلاغ المشترك ليس فعلا دولاتيا فرديا، ولا تصريحا عابرا لمسؤول أوروبي، بل هو موقف صادر عن مؤسسة تمثل الإرادة الجماعية للاتحاد، وهنا يبرز التحول الجوهري عبر التخلي عن الحياد اللغوي العام، إلى تبني توصيف سياسي أكثر وضوحا لمسار الحل، دون الحياد عن الإطار الأممي أو تجاوز القيود القانونية الداخلية".
وأبرزت أن "ما يميز هذا الموقف الجديد لا يكمن فقط في ذكر الحكم الذاتي، بل في ربطه الصريح بقرار أممي محدد، وبفقرات دقيقة تعيد توجيه العملية السياسية نحو هذا الخيار، بوصفه قاعدة للتفاوض، هذا الربط يجعل الموقف الأوروبي يتجاوز حدود المبادرة السياسية المستقلة، ليصبح جزءا من تراكم دولي يهدف إلى إعادة تعريف معايير القابلية للتطبيق في معالجة النزاعات المعقدة".
ولفتت الانتباه إلى أنه "على المستوى الدبلوماسي، فإن هذا التموضع الأوروبي الجديد وإن كان لا يرقى إلى مستوى الإلزام القانوني ويظل في حدود إعادة تشكيل البيئة السياسية إلا أنه ينتج أثرا تراكميا على ميزان المفاوضات الإقليمية، ذلك أن إدراج مفهوم "الحكم الذاتي الحقيقي" في وثيقة أوروبية رسمية من شأنه أن يرفع كلفة التمسك بالمسارات الأحادية الرافضة للتفاوض حول البدائل، ويوسع دائرة الفاعلين الدوليين المنخرطين في الدفع نحو حل تفاوضي واقعي".
وتابعت: "لا يكتمل فهم هذا التطور إلا بوضعه ضمن سياقه الجيوسياسي الأوسع، إذ يندرج تناول الاتحاد الأوروبي لقضية الصحراء ضمن تصور أشمل لعلاقته مع المغرب، حيث تربط هذه القضية بجملة من الرهانات الاستراتيجية، من بينها قضايا الأمن، وتدبير الهجرة، واستقرار الجوار الجنوبي، وأمن منطقة الساحل، وضمن هذا الإطار، لا يقارب الاتحاد الأوروبي النزاع باعتباره ملفا قانونيا قائما بذاته، بل كأحد العناصر المكونة لمعادلة الاستقرار الإقليمي، وهي مقاربة تتقدم فيها اعتبارات إدارة المخاطر والوقاية من عدم الاستقرار على المقاربات القانونية الصرفة".
وذكرت أنه "يمكن القول إن الميزان العام لهذا التوجه يميل في مجمله نحو الإيجاب، فالواقع أن الاتحاد الأوروبي لا يقدم نفسه بوصفه فاعلا يمتلك حلا نهائيا للنزاع، ولا يسعى إلى الاضطلاع بدور تحكيمي حاسم، بقدر ما ينهج مقاربة راكم فيها خبرة مؤسساتية طويلة، تقوم على التدرج، وتدبير التعقيد، وتوسيع نطاق الخيارات المتاحة بدل إغلاقها، ومن هذا المنظور، لا تكمن أهمية هذا الموقف في قدرته على حسم النزاع في المدى المنظور، بل في مساهمته التدريجية في إعادة تأطير النقاش الدولي حوله، من خلال إضعاف منطق الشعارات القصوى، ودفع النقاش نحو مقاربات تفاوضية أكثر واقعية وقابلية للتطبيق".
واعتبرت أن "هذا التموضع الأوروبي يمثل مسارا محسوبا لا يراهن على الحلول السريعة، بقدر ما يستثمر في الزمن السياسي بوصفه أداة للتراكم والتكيف، انطلاقا من قناعة مفادها أن تدبير النزاعات بحكمة واستمرارية قد يفضي، على المدى الأبعد، إلى تحقيق ما عجزت عنه المقاربات الصدامية".