استقبل المغاربة العودة إلى الساعة القانونية (غرينتش) بارتياح عارم، حيث غصت منصات التواصل الاجتماعي بـ"تدوينات" تثمن استعادة الراحة النفسية والشعور بوفرة الوقت، هذا الاحتفاء الشعبي يتجاوز مجرد الانطباعات العابرة، ليفتح الباب أمام نقاش علمي معمق حول الجوانب البيولوجية لهذه القرارات، إذ تظل الساعة البيولوجية المحرك المحوري الذي يحدد مدى انعكاس هذه التغييرات الزمنية على الصحة الجسدية والكفاءة الذهنية.
في هذا السياق، أوضح الدكتور عدنان العلوي الإسماعيلي (اختصاصي الطب العام وطب الأسرة بتمارة)، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن الأبحاث العلمية تعارض بشدة التغيير المستمر بين التوقيتين الصيفي والقانوني، بل وتتحفظ أكثر على اعتماد التوقيت الصيفي بشكل دائم".
وأشار إلى أن هذا الأخير يفاقم الآثار السلبية، خاصة عند "تمديده ليشمل السنة كاملة بدلا من الاقتصار على 8 أشهر فقط".
ليس "صديقا للصحة"
وأضاف الدكتور الإسماعيلي أن "الساعة البيولوجية للجسم تكون متأخرة عموما خلال فصل الشتاء مقارنة بفترات النهار الطويلة في الصيف، لذا، تنصح معظم الدراسات بإلغاء التوقيت الصيفي، وإعادة ضبط التوقيت المحلي للدول بناء على مناطقها الزمنية الفعلية (الساعة الشمسية)، ومن شأن هذا التعديل أن يحقق تطابقا بين التوقيت الاجتماعي وتوقيت الجسم الداخلي بشكل أدق".
وخلص إلى أن "التوقيت الشتوي القياسي هو الأفضل، فهو لا يمنح الأفضلية للضوء في الصباح الباكر والظلام المبكر ليلا فحسب —وهو ما يتوافق مع الفسيولوجيا الأصلية للإنسان— بل إنه الأكثر انسجاما مع التوقيت الشمسي".
وأكد أنه رغم الحاجة لمزيد من التحليل العلمي الشامل، إلا أن الأدلة الكافية تؤكد أن التوقيت الصيفي ليس "صديقا للصحة" وقد يؤثر عليها سلبا.
اختلال التوازن الزمني البيولوجي
وأبرز الدكتور الإسماعيلي أن الساعة البيولوجية، التي تحدد الإيقاع الداخلي للكائن الحي، تتكون من شبكة عصبية فيزيولوجية معقدة تقع في "منطقة ما تحت المهاد الأمامية" وتحديدا في النواة فوق التصالبية.
وتابع: "ترسل هذه النواة إشارات عصبية وهرمونية إلى الساعات البيولوجية الطرفية الموجودة في كافة خلايا الجسم وأعضائه، لضمان التزامن بين الساعة المركزية وبقية أجهزة الجسم".
وأورد أن دورة النوم والاستيقاظ هي أبرز الإيقاعات اليومية، وتتزامن لدى الإنسان بشكل مثالي مع تعاقب الليل والنهار، كما تنظم هذه الساعات وظائف حيوية مثل اليقظة، الانتباه، التفكير النقدي، والوظائف العضوية الأخرى.
وأشار الطبيب إلى أن أي تعطيل لهذا الإيقاع اليومي يؤثر سلبا على العمليات الحيوية، موضحا أنه في ظل ضعف المؤثرات الزمنية الطبيعية وزيادة التعرض للضوء الاصطناعي مساء، تأخرت الساعات البيولوجية لمعظم الناس، مما أدى إلى اختلال التوازن الزمني البيولوجي.
ضعف التحصيل الدراسي
ورغم إقراره بوجود جوانب إيجابية ظرفية للتوقيت الصيفي —مثل العودة للمنزل "مبكرا" والاستمتاع بضوء النهار في وقت الفراغ— إلا أن هذه الإيجابيات تظل محدودة ومرتبطة بثقافات معينة (كأوروبا وأستراليا)، بينما لم تظهر آثار إيجابية تذكر في دول مثل الولايات المتحدة أو البرازيل.
وحذر الدكتور الإسماعيلي من الآثار الحادة لتغيير التوقيت، خاصة في الربيع، حيث يقل النوم ويزداد النعاس نهارا لدى المراهقين، وترتفع معدلات الحوادث العامة ونوبات احتشاء عضلة القلب والسكتات الدماغية.
ولفت إلى دراسات دولية (روسيا، الهند، الصين) ربطت بين تأخر وقت غروب الشمس ونقص مدة النوم (بمعدل 19 دقيقة)، مما يؤدي إلى عواقب وخيمة تشمل أمراضا مثل السمنة، السكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية، واضطرابات نفسية مثل ارتفاع معدلات الاكتئاب، القلق، واضطرابات الشخصية، وتراجع الأداء مثل ضعف التحصيل الدراسي لدى الطلاب وانخفاض الإنتاجية والأجور لدى البالغين.