محمد أمين سملالي
المواطن في قفص الاتهام
في كل صيف، لا يتغير المغرب…
بل ينكشف.
تنكشف علاقتنا بالشاطئ، وبالطريق، وبالرصيف، وبالفضاء العام. ومع أولى موجات الاصطياف، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بصور الاكتظاظ، والنفايات، واحتلال الشواطئ، وفوضى السير والجولان. وما إن تنتشر هذه المشاهد حتى تبدأ المحاكمة، ويُفتح، ككل صيف، قفص الاتهام.
المتهم معروف.
إنه المواطن.
هو من رمى النفايات، واحتل الرصيف، وخالف قانون السير، وترك الشاطئ في حالة لا تليق به. أما المدينة نفسها، وطريقة تدبيرها، وجودة خدماتها، وقدرتها على استيعاب هذا الضغط الموسمي، فنادرًا ما تجد لها مكانًا في النقاش.
لا أحد ينكر أن احترام القانون مسؤولية شخصية، وأن السلوك المدني يبدأ من احترام الإنسان لحقوق غيره. لكن اختزال كل ما يحدث في أخلاق المواطن وحدها يجعلنا نغفل جزءًا أساسيًا من الحقيقة.
فالسلوك لا يولد في الفراغ، بل يتشكل داخل المجال الذي نعيش فيه.
يكفي أن يتنقل المصطاف بين شواطئ المغرب حتى يلاحظ فرقًا واضحًا. ففي بعض المدن يبدو التنظيم حاضرًا، والولوج إلى الشاطئ أكثر سهولة، والخدمات أفضل، فينعكس ذلك على سلوك المرتادين.
وفي أماكن أخرى، تختلط السيارات بالمارة، وتمتد المظلات بلا ضابط، ويصبح الوصول إلى البحر رحلة شاقة.
هل تغير المواطن؟
أم تغير المكان الذي يتحرك داخله؟
وربما تغير الاثنان معًا، لكننا لا نتحدث إلا عن أحدهما.
خذوا مثالًا بسيطًا: كيف لمدن صغيرة مثل المضيق أو الوليدية أو إفران، التي لا يتجاوز عدد سكانها طوال السنة عشرات الآلاف، أن تستقبل خلال أسابيع الصيف أعدادًا من الزوار تفوق سكانها مرات عديدة؟
هذا الضغط لا يطال الشاطئ وحده، بل يمتد إلى الطرق، ومواقف السيارات، وشبكات الماء والتطهير، وجمع النفايات، والمرافق الصحية، وكل الخدمات الأساسية. وحين تتجاوز المدينة قدرتها على الاستيعاب، يصبح الاختلال في التنظيم أمرًا متوقعًا إذا لم يواكبه تدبير استثنائي.
فالفضاء العام لا يحتضن السلوك فقط، بل يساهم في تشكيله.
فالمدينة لا تنتج الخدمات فقط، بل تنتج العادات أيضًا.
ولعل أوضح مثال على ذلك هو المراحيض العمومية.
نستنكر بحق كل سلوك يسيء إلى نظافة الفضاء العام، لكننا نادرًا ما نسأل: أين هي المراحيض العمومية؟
كم شاطئًا يستقبل آلاف المصطافين يوميًا دون مرافق صحية كافية؟ وكم مدينة يضطر فيها المواطن أو السائح إلى البحث طويلًا عن مرحاض، فلا يجد إلا أبوابًا مغلقة أو مرافق لا تصلح للاستعمال؟
وحين يغيب هذا المرفق، لا يختفي الاحتياج الإنساني، بل يبحث عن منفذ آخر، غالبًا على حساب نظافة المكان وكرامة الإنسان.
ولا يقتصر الأمر على المراحيض وحدها.
نطالب المواطن بعدم رمي النفايات، لكن هل وفرنا حاويات كافية؟
نطالبه بعدم الوقوف العشوائي، لكن هل وفرنا مواقف تستوعب هذا العدد من الزوار؟
نطالبه باحترام الأرصفة، بينما يجد كثيرًا منها محتلًا أو غير صالح للاستعمال.
لكن هناك مستوى أعمق من الخدمات، وهو التهيئة الحضرية ذاتها.
فالمدينة لا تُدار بالقوانين فقط، بل بطريقة تصميمها أيضًا. والتخطيط العمراني ليس مجرد جماليات أو شوارع ممتدة، بل هو في جوهره هندسة للسلوك.
كم من شارع يضيق عند مدخل مدينة ساحلية فيتحول إلى عنق زجاجة يربك حركة السير؟ وكم من رصيف لا يستوعب كثافة المشاة فيضطرهم إلى السير وسط الطريق؟ وكم من مخطط أغفل مواقف السيارات فتحولت الأرصفة والفراغات إلى مرائب عشوائية؟
إن التهيئة الحضرية ليست ترفًا معماريًا، بل هي أساس التدبير الموسمي. فتنظيم مداخل المدن ومخارجها، وتوزيع مواقف السيارات، وتوسعة الأرصفة، واعتماد مسارات سير ملائمة، كلها عناصر تصنع النظام قبل أن تطالب الناس باحترامه.
كما أن تنظيم السير والجولان لا ينبغي أن يبقى إجراءً موسميًا يتكرر كل صيف، بل رؤية دائمة تستبق الضغط بدل أن تتعامل معه بعد وقوعه. فالمدينة التي تتوقع حجم الإقبال وتخطط له تكون أكثر قدرة على الاستيعاب، أما المدينة التي تعتمد فقط على الحلول المؤقتة فتظل تعيد المشكلة نفسها كل موسم.
فالفضاء العام ليس مجرد إطار تجري فيه الحياة اليومية، بل فاعل رئيسي في تشكيلها. فالفضاء المنظم يجعل احترامه أسهل، بينما يدفع الفضاء المهمل نحو الارتجال.
وهذا لا يعفي المواطن من مسؤوليته، لكنه يذكرنا بأن السلوك المدني لا يُبنى بالأخلاق وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى مدينة تساعد على احترام القانون.
فالمدينة التي تحترم مرتاديها، وتوفر لهم الحد الأدنى من الخدمات، وتجعل استعمال فضاءاتها ممكنًا ومنظمًا، تجعل احترامها أكثر سهولة. أما المدينة التي تغيب فيها المرافق الأساسية ويضعف فيها التخطيط، فإنها تساهم، هي الأخرى، في إنتاج بعض السلوكيات التي نعود لاحقًا إلى إدانتها.
لهذا، لا يكفي أن نسأل كل صيف: لماذا لا يحترم المواطن المدينة؟
علينا أيضًا أن نسأل:
هل هيأنا المدينة لاستقبال هذا العدد من الزوار؟
فالحق في مدينة نظيفة ومنظمة ليس ترفًا، بل هو شرط من شروط المواطنة.
وحين يشعر المواطن أن الفضاء العام يحترمه، يصبح أكثر استعدادًا لاحترامه.
أما إذا استمررنا، كل صيف، في وضع المواطن وحده داخل قفص الاتهام، فسنظل نعيد المحاكمة نفسها، بينما يبقى الشاهد الأهم خارج قاعة المحكمة…
إنه المجال.