حذر الأكاديمي السوسيولوجي، الدكتور جمال فزة، من أن العالم يقف على حافة انهيار بيئي شامل، معتبرا أن المسألة البيئية لم تعد مجرد إشكال عابر أو نقاش فكري، بل أصبحت "قضية القضايا" التي تختزل في جوفها كل الأبعاد السياسية والاقتصادية والديموغرافية.
جاء ذلك في قراءة سوسيولوجية قدمها فزة، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ضمن ندوة خصصت لقراءة في كتاب "إيديولوجيات الخوف والانهيار العالمي" للمفكر والفاعل الجمعوي عمر الزايدي، وهي الندوة التي نظمها ماستر "القانون والمجتمع والنوع الاجتماعي" بتسيير من الخبيرة الأممية لبنى الحسيني، وحضور نخبة من الأساتذة والطلبة الباحثين.
هل فات أوان السؤال؟
بنبرة تحذيرية، تساءل فزة منسق لماستر "القانون والمجتمع والنوع الاجتماعي"، إن كان الوقت قد فات حتى لطرح سؤال "هل يجب أن نخاف؟"، مستحضرا صرخة طفلة في دافوس حين قالت: "يجب أن تخافوا لأن منزلنا يحترك فعلا"، مشددا على ضرورة تغيير خطاب المفكرين ليكون قادرا على تحريك الشباب والتأثير في السياسات العمومية لفرض "حالة الطوارئ المناخية".
وأكد فزة أن الأزمة الإيكولوجية فرضت على العالم ابتكار أنماط تشريعية تتجاوز الحدود التقليدية للدولة الوطنية، كما هو الحال في اتفاقيتي "كيوتو" و"باريس"، مما يؤسس لمنطق جديد في التشريع العالمي يربط بين المساواة، العدالة الاجتماعية، وحماية الكوكب.
ويرى الأستاذ الجامعي، جمال فزة، أن المسألة البيئية لم تعد شأنا تقنيا معزولا، بل أصبحت المحرك الأساسي للتحولات القانونية الكبرى في عصر العولمة.
وشدد صاحب كتاب سوسيولوجيا التنظيمات أسس واتجاهات، على أن الأزمة البيئية تضعنا أمام معطى جديد يتلاشى فيها مفهوم المجتمع المنغلق لصالح مفهوم "النوع البشري"، فالمخاطر الإيكولوجية هي فرصة لاختبار إنسانيتنا المشتركة، بعيدا عن "الانتماءات المتعصبة" للقوميات أو العرقيات.
الحلم
في قراءة نقدية للواقع المعاصر، صاغ فزة مفهوم "نقد ملكات الحلم" (على غرار ثلاثية كانط)، محذرا من أن النظام النيوليبرالي لا يكتفي بإعاقة الارتقاء الاجتماعي، بل يعمل على "استئصال ملكة الحلم" لدى الشعوب.
ووصف مؤلف "البحث الكيفي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقات"، "الديكتاتوريات الحديثة" بأنها لم تعد قبيحة الوجه، بل صارت "ناعمة ومستترة"؛ فهي لا تسلبك السعادة بالقوة، بل تقدمها لك بـ"ثمن بخس" وسعادة رخيصة مقابل التخلي عن القدرة على التخيل والمقاومة، مؤكدا أن "الديكتاتوريين ينامون في سلام حين لا يجرؤ أحد على الحلم".
انقلاب السحر على الساحر
وحلل الوضع الحالي بوصفه مرحلة "انقلاب السحر على الساحر"، حيث أن أدوات الحضارة والرفاهية التي صنعها الإنسان هي نفسها التي باتت تدمر هذه الحضارة، فيما يشبه عملية "الافتراس الذاتي" (Autophagy) بيولوجيا، حيث تأكل الخلية جزءا من نفسها لتضمن بقاء جزء آخر.
ولتقريب مستوى التهديد، قدم مؤلف المنهجية الأنثروبولوجية بين إدوارد فسترمارك وإفانس بريتشارد استعارة قاسية لوصف انعدام المساواة في مواجهة الكوارث، مشبها العالم بـ "القطار فائق السرعة" (TGV)، فبينما يتمتع الأغنياء بتذاكر "الدرجة الأولى" المكيفة والمريحة، فإن القطار في نهاية المطاف متجه نحو "حادثة سير مفجعة ومميتة لن يسلم منها أحد"، سواء ركاب الدرجة الثانية أو الممتازة.
حدد فزة ثلاثة تحديات تواجه البشرية اليوم، تتمثل في الاحتباس الحراري الذي يفرض ضرورة عاجلة لمنع ارتفاع حرارة الأرض فوق درجة ونصف سيلسيوس، مؤكداً أن "الوقت لا يرحم"، والتنوع الأحيائي في ظل ما وصفه بـ"عصر الإنقراض السادس" الذي يشهد اختفاء مرعباً للأنواع النباتية والحيوانية بنسبة تتراوح بين 70 و90 في المائة، ثم الهشاشة الاجتماعية الناتجة عن التفاوتات الصارخة التي يولدها النظام "النيوليبرالي" المتوحش.
أخلاق الجمال
دعا الأستاذ فزة إلى ما أسماه "إتيكيت الاستطيقا" (تعني أخلاق الجمال أو الأخلاق الجمالي)، وهي حس عاطفي ووجداني مشترك يتجاوز السياسة الصرفة.
وشبه السياسة والقانون بـ "المعزوفة المنفردة" (Solo)، بينما تمثل "الاستطيقا" الغلاف الموسيقي العام الذي يعطي لهذه المعزوفة ذوقا ومعنى، مؤكدا حاجة خطابنا لهذا "الذوق العام" لمواجهة القضايا التي تمس صلب الحياة البشرية.
وتساءل فزة حول جدوى الأنظمة الديمقراطية التقليدية في ظل "صعود الكوارث وحالات الطوارئ"؛ فهل يحتاج النظام الديمقراطي إلى "تعديل بنيوي" ليكون قادرا على الاستجابة لمرحلة أصبحت كل فصولها طوارئ؟ يرى فزة أن الحل يكمن في إحياء ذلك الحس الجمالي والأخلاقي المشترك ليعطي معنى وقيمة للكفاح البشري من أجل البقاء.