الأمم المتحدة.. سباق نحو الإفلاس بسرعة وقودها سياسات القوى العظمى

أحمد مدياني

أحمد مدياني - مقر الأمم المتحدة/جنيف

"إشعار بشأن المحتوى المتوفّر باللغة العربية: بسبب النقص في التمويل، لا يمكن للمفوضية السامية لحقوق الإنسان أن تُحدّث حاليا موقعها الإلكتروني إلا باللغة الإنجليزية. الرجاء الاطلاع عليه حصرا من أجل الحصول على آخر المعلومات والأخبار".

بهذه العبارات تستقبلك صفحة الموقع الرسمي للأمم المتحدة، وصفحات المواقع الفرعية التابعة للمنظمة؛ أما في مقرها بجنيف، فهناك، منذ قرابة السنة، استقبال من نوع آخر، يلخص ما أصبح يعانيه مجتمع الأمم الدولي من هونٍ يقترب من العجز التام.

ماذا يقع؟ كيف وقع؟ من يتحمل المسؤولية فيما يقع؟ وما موقع المغرب وسط كل ما يقع؟

أسئلة يجيب عنها "تيلكيل عربي" في هذا الروبورتاج، بنقل الواقع كما هو من داخل مقر الأمم المتحدة بجنيف، معززا بتصريحات وتحليلات وأرقام وشهادات حية، تذهب كلها نحو رفع شعار: "الأمم المتحدة تُحتضر... وتم عدم الدفع مقدما، لتسريع مراسيم تشييع جنازتها ثم انتظار دفنها!"

"بابٌ أممي واحد"

عند المدخل الغربي، الذي أصبح الجميع يقصده، كل يوم، لولوج قصر الأمم المتحدة بجنيف، دون تمييز بين الموظفين أو أعضاء البعثات الدائمة أو المناديب ولا حتى المنتمين للمنظمات المدنية والصحافيين والزوار، يسمع أمام الباب الأوتوماتيكي الوحيد الذي يعمل وسط أشقائه صراخ أفراد الأمن، وهم يرددون لازمة واحدة:

"S’il vous plaît, il nous est impossible de gérer l’entrée d’un si grand nombre de personnes. Nous sommes très peu nombreux. Merci de nous aider à organiser l’accès en respectant le code couleur des badges que vous portez".

أحدهم، أسمر أصلع فارع الطول، يبدي غضبه أكثر من باقي زميلاته وزملائه، بل يذهب أكثر من مرة لإلقاء عبارات احتجاج، تخبرك أن الأوضاع ليست على ما يرام.

من قبل، كان ولوج مقر الأمم المتحدة موزعا على ثلاثة أبواب... فالباب المقابل لساحة نُصب الكرسي ذي الثلاثة أرجل، مخصصٌ لحاملي تصريحات الدخول الزرقاء، هؤلاء كانوا يدخلون بدون الحاجة للمرور بنقط التفتيش... فيما كان باب آخر قريب منه على الطريق في الاتجاه المقابل لمقر البعثة الدائمة الروسية مخصصا لولوج الصحافيين وأعضاء منظمات المجتمع المدني المدعوة لحضور فعاليات مختلف التظاهرات الأممية... ثم الباب الثالث، حيث تلج سيارات المسؤولين الأمميين وأعضاء البعثات الدائمة، تجاوره بوابات كانت مخصصة لولوج الزوار... هذه الأخيرة هي التي صار يلج منها اليوم الجميع.

خلال أحاديث جانبية مع أفراد الأمن الأمميين، تفاعلا مع انفعالاتهم الظاهرة مع الواقع الجديد، يخبرونك بالتلميح الذي يفرضه واجب التحفظ، أنهم لا يستطيعون تدبير ولوج كل هذه الأعداد من البوابات المختلفة كما كان الحال في السابق، لأن أعدادهم تتناقص سنة بعد أخرى، نقص لا يعوض بتوظيف أمنيين أمميين جدد لتغطية الخصاص.

إذن، وقبل الاستمرار في نقل الأوضاع كما عايشها وعاينها موقع "تيلكيل عربي"، على هامش تغطيته لأشغال الدورة الـ 61 لمجلس حقوق الإنسان التي انطلقت يوم الـ 23 من شهر فبراير المنصرم والمستمرة إلى غاية الـ 31 من شهر مارس الجاري، وجب، أولا، تسليط الضوء بالأرقام على أسباب الأزمة التي تعيشها الأمم المتحدة وهيئاتها وبرامجها.

مع طرح السؤال المحوري في القصة ككل: هل هي أزمة مالية أم سياسية؟!

انتكاسات مالية أممية

حسب تقارير رسمية ومعطيات استقاها "تيلكيل عربي" خلال أحديث جانبية مع مصادر متعددة داخل مقر الأمم المتحدة، فإن ما تعانيه المنظمة، اليوم، هو بالأساس "أزمة سيولة نقدية تكاد تكبح بشكل كلي فعاليتها على كافة المستويات".

إذن، حسب هذه الخلاصة، ماذا تقول الأرقام؟

في 2025 كانت الميزانية المقترحة داخل المنظمة حوالي 3.72 مليار دولار، ثم انخفضت حسب الأرقام المقترحة لميزانية 2026 إلى 3.238 مليار دولار فقط.

أي أن حجم التخفيض بلغ 577 مليون دولار، بنسبة بلغت حوالي 15 في المائة. هذا التخفيض نتج عنه بشكل فوري ومباشر تقليص الوظائف بحوالي 2681 وظيفة.

وتشير المعطيات إلى أن انخفاض عدد مناصب الشغل داخل الأمم المتحدة سوف يستمر بمعدل تبلغ نسبته 18.8 في المائة.

هذا هو الواقع المالي بشكل عام داخل المنظمة. فما السبب؟

الأول، هو الديون المتأخرة للدول الأعضاء. أما الثاني والأساسي، فهو عدم دفع الدول لمساهماتها في الوقت المحدد، إذ بلغ حجم المتأخرات حتى متم سنة 2024، 760 مليون دولار. أما المساهمات غير المدفوعة لسنة 2025، فوصلت إلى 877 مليون دولار. أي أن العجز المالي المسجل حوالي 1.6 مليار دولار.

وفي السياق ذاته، تشير الأرقام الرسمية للأمم المتحدة إلى أن 145 دولة من أصل 193 دفعت كامل مساهماتها، أي أنه عند متم شهر شتنبر من سنة 2025، تم تحصيل 66.2 في المائة فقط من الميزانية السنوية. النسبة المتبقية وإن كانت أقل من النصف بقليل، فإنها تساوي الكثير فوق كفة ميزان تدبير وإدارة شؤون الأمم.

سباق نحو الإفلاس

ما يقع منذ قرابة ثلاث سنوات بالأمم المتحدة، وصفه أمينها العام أنطونيو غوتيريش بـ"سباق نحو الإفلاس".

غوتيريش حذر، في أكثر من مناسبة، من أن المنظمة قد تصل لخط النهاية، إذا لم تُدفع مساهمات الدول. بل حتى النداء التمويلي الطارئ الذي أطلقه، لجمع 500 مليون دولار، لم يتم التفاعل معه كما كان منتظرا، إذ لم تصل قيمة ما تم تحصيله حتى النصف.

بسبب ما سبق ذكره، في هذا الجزء، بدأت الأمم المتحدة سنة 2025 بعجز نقدي بلغ 135 مليون دولار، ما نتج عنه قرار بخفض الإنفاق الطارئ بنحو 600 مليون دولار لتجنب الإفلاس خلال السنة ذاتها، دون إغفال توقعات عجز إضافي قد يتجاوز 450 مليون دولار إذا استمرت متأخرات الدول.

هذا الواقع المالي انعكس على باقي آليات الأمم المتحدة، حيث بلغت المتأخرات في ميزانية حفظ السلام حوالي 3.7 مليار دولار، وهي الميزانية التي تمول عشرات البعثات العسكرية والأمنية التابعة للأمم المتحدة حول العالم.

كما طالت الأزمة وكالات وبرامج الأمم المتحدة، بما فيها مفوضية حقوق الإنسان. هذه الأخيرة، بلغ عجز ميزانياتها 90 مليون دولار، ما حتم تخفيض الوظائف بنسبة 15 في المائة خلال سنة 2025. خفضٌ أفقد حوالي 300 موظف أممي دائم من مختلف المصالح ارتباطهم الوظيفي بالمنظمة، ليس فقط هنا بجنيف، بل حول العالم.

أزمة مالية أم سياسية؟

هنا نصل للإجابة عن السؤال الذي طرحناه سلفا حول أسباب الأزمة.

هل هي مالية كما هو ظاهر من خلال الأرقام؟ أم سياسية في العمق؟

قبل الإجابة، لنتأمل ترتيب "Top Thriller" الدول التي توقفت عن الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الأمم المتحدة.

في الصف الأولى: الولايات المتحدة بمتأخرات تبلغ 1.495 مليار دولار؛

الصف الثاني: الصين بـ 192 مليون دولار؛

وفي الصف الثالث: روسيا بـ 72 مليون دولار.

قوى العالم الثلاث العظمى على قائمة منابع الأزمة المالية في الظاهر.

"تيلكيل عربي" طرح السؤال على الدكتور نور محمد رضا، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بفاس، ‏الرئيس المؤسس للمركز المغربي للدراسات الإفريقية والتنمية المستدامة.

سؤال: عجز الأمم المتحدة في معالجة الأزمات الدولية مرده خلل بنيوي أم قيود مالية؟

وكان جوابه، أن "مسألة عجز منظمة الأمم المتحدة عن معالجة الأزمات الدولية أصبحت موضوعاً مركزياً في أدبيات القانون الدولي والعلاقات الدولية. فمن النزاع في أوكرانيا إلى الحرب على غزة، بالإضافات إلى تراكم تداعيات عدد من النزاعات المسلحة حول العالم، تبدو المنظمة عاجزة عن الاضطلاع بوظيفتها المتمثلة في حفظ السلم والأمن الدوليين وفق الفصلين السادس والسابع من الميثاق".

ويضيف المتحدث ذاته، أن هذه الوضعية تثير إشكالية جوهرية، تعيد صياغة السؤال المركزي: هل يعود هذا العجز إلى خللٍ بنيوي مؤسسي أم إلى عجز مالي مَقصود؟

ويشرح ذلك بالقول: "أولا، العجز البنيوي، إذ تميل أدبيات الواقعية البنيوية إلى تفسير عجز الأمم المتحدة بوصفه نتيجة مباشرة لبنيتها المؤسسية. فمجلس الأمن، المنوطة به المسؤولية الرئيسية، يخضع لتركيبة تعكس توازنات ما بعد 1945، ولا سيما حق النقض المنصوص عليه في المادة 27 من الميثاق. وقد كشف استخدامه المتكرر في الأزمة السورية وأوكرانيا كيف تُعطّل مصالح القوى الكبرى آليات القرار الجماعي".

ويضيف الدكتور محمد نور رضا، في السياق ذاته، أنه "بينما سعت آلية (الاتحاد من أجل السلام) سنة 1950 إلى تجاوز هذا الشلل، يبقى غياب الطابع الإلزامي لقرارات الجمعية العامة عائقاً جوهريا".

ثانياً، دائما حسب المتحدث ذاته، "تُشكل الموارد المالية عاملا ثانويا لكنه ذو أثر ميداني ملموس. فميزانية المنظمة لعام 2025 بلغت 3.72 مليار دولار، غير أن تحصيلها يظل رهينا بالإرادة السياسية للدول الممولة. وقد أدت التأخيرات في سداد المساهمات إلى إضعاف قدرات البرامج الأممية، بما في ذلك عمليات حفظ السلام والبرامج الإنسانية".

هذا الجانب، يشدد أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بفاس، "يُكسب هذه الإشكالية راهنية بالغة في ضوء المعطيات الأخيرة".

ويشرح: "وفقا لبيانات الأمم المتحدة لعام 2025، بلغت المتأخرات الأمريكية في الميزانية الاعتيادية نحو 1.5 مليار دولار، فضلاً عن 2.36 مليار في ميزانية حفظ السلام. وفي منتصف عام 2025، أقر الكونغرس الأمريكي حزمة تقليصات سحبت نحو مليار دولار من التمويل الأممي المعتمد مسبقاً، فيما يقترح في ميزانية 2026 تعليق غالبية المساهمات الأمريكية وإنهاء تمويل عمليات حفظ السلام كلياً. كما تُسجّل روسيا متأخرات بـ72 مليون دولار، في حين تُعاند الصين تصاعد حصتها في المنظمات المتخصصة".

وبخصوص تحليل تداعيات هذه الأزمة، بما يشمل تجميد التوظيف... تقليص البرامج... واللجوء إلى الاحتياطيات للمرة الخامسة منذ 2019. يقول الدكتور رضا إن "هذا التراجع المالي للقوى الكبرى ليس مستقلاً عن إرادتها السياسية وهو ما يُعيدنا إلى الخلل البنيوي باعتباره الجذر الحقيقي للأزمة".

ويعتبر أن خلاصة الأزمة تكمن في أن "الإشكالية المطروحة لا تقبل إجابةً ثنائية مُبسَّطة، بيد أن التحليل المقارن يُرجّح كفة الخلل البنيوي-المؤسسي بوصفه المتغير التفسيري الأكثر حسماً. والدليل على ذلك أن الأزمة المالية ذاتها ليست نتاج عجز اقتصادي لدى الدول الممولة، بل هي تعبيرٌ إرادي عن الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى التي تُوظف الموارد حين يخدم التعاون مصالحها، وتُحجب حين يتعارض مع توجهاتها".

ويسترسل في تحليله لـ"تيلكيل عربي"، بهذا المعنى، "تكشف المؤسسية الليبرالية عن حدودها التفسيرية؛ إذ لا يكفي وجود إطار مؤسسي متطور ما لم تتوافر إرادة سياسية تُحرّكه. لذلك، يبقى الإصلاح الهيكلي، ولا سيما إعادة النظر في تركيبة مجلس الأمن وآلية التصويت، الشرطَ الضروري لأي تجديد فعلي لشرعية المنظمة وفاعليتها، غير أن بلوغ هذا الأفق يستلزم بالضرورة إجماعاً بين القوى ذاتها التي يصبُّ الإصلاح في تقليص امتيازاتها".

ماذا عن المغرب؟

وسط "السباق نحو الإفلاس"، سوف يتساءل المغاربة عن موقع بلادهم وسط هذا السباق؟

الجواب حسب معطيات رسمية، هو: دفع المغرب برسم سنة 2025 مساهمته كاملة في ميزانية الأمم المتحدة، وكانت قيمة المساهمة أكثر من 2 مليون دولار تقريباً، بل تم تحويل المبلغ قبل الموعد النهائي المقرر يوم 6 فبراير من نفس السنة.

الأمم المتحدة أدرجت المملكة المغربية ضمن قائمة "Honor Roll"، أي "قائمة الشرف"، مكان محجوز للدول التي سددت مساهماتها بالكامل في الوقت المحدد.

أما عن تطور مساهمة المغرب بخصوص التزاماته المالية تجاه الأمم المتحدة خلال السنوات الأربع الأخيرة، فجاء كالتالي، دون تسجيل أي تأخير:

*2025: أكثر من 2 مليون دولار؛

2024: حوالي 1.73 مليون دولار؛

2023: حوالي 1.61 مليون دولار؛

2022: حوالي 1.58 مليون دولار.

ويحل المغرب في الرتبة السابعة من حيث مساهمات الدول في المنطقة العربية وشمال إفريقيا، مواصلا الوفاء بالتزاماته، مع الأخذ بعين الاعتبار، أن المساهمات المالية، تحتكم لمؤشرات تتعلق بحساب "الناتج القومي الإجمالي" وليس "الناتج الداخلي الخام".

موقع آخر للمغرب، يساهم من خلاله عبر ما يمكن إصلاحه بعيدا عن أزمات التمويل المالي والحسابات السياسية. موقعٌ يهم إصلاح آليات الأمم المتحدة برمتها.

تفاصيل ما اقترحه المغرب وساهم في الدفع بتنزيله، يمكن العودة إليها في حوار أجراه "تيلكيل عربي"، نشر بتاريخ 11 شتنبر 2024، يحمل عنوان "زنيبر يكشف كواليس وتفاصيل ما حققته رئاسة المغرب لمجلس حقوق الإنسان".

العودة لمشاهد من الواقع

صباح يوم الأربعاء 4 مارس الجاري، صفٌ طويل يمتد من البوابة الدوارة للباب الغربي لقصر الأمم المتحدة بجنيف، حتى حدود التماس مع الشارع العام المقابل لها.

هنا، تحدث "تيلكيل عربي" لسيدة شقراء بقصة شعر قصيرة جدا، يظهر أنها على عجل مفرط، دفعها أكثر من مرة للتوجه نحو الأمنيين الأمميين، من الأجل السماح لها بتجاوز الإجراءات الأمنية، قصد ولوج المقر بسرعة.

لم تكن صحافية ولا عضوة ضمن منظمات المجتمع المدني المدعوة لحضور أشغال دورة مجلس حقوق الإنسان... ولم تكن أيضا موظفة دائمة... كان ترتيبها تمام الساعة الثامنة والنصف صباحا في لائحة انتظار تفعيل تصريحات الدخول الـ 120.

حاولت مرارا وتكرارا، ومع ذلك لم تشفع لها الصفة التي تحضر بها هنا في الدخول قبل الصف الطويل الذي يسبق تفعيل تصريحها، ثم سوف تنتقل لصف آخر خاص بإجراءات التفتيش.

تحركاتها، دفعت "تيلكيل عربي" لمحاولة إثارة النقاش معها، ببدء السؤال عن صفتها.

 أجابت باللغة الفرنسية: "أنا مترجمة أعمل بصفة حرة مع الأمم المتحدة".

ثم أضافت بنبرة فيها حسرة سبقها تنهد ظهر أعلى كتفيها: "لم نكن نعامل في السابق هكذا... لدي التزام مهني الآن... يجب أن أكون في قاعة الترجمة... لم يخبرنا أحد بأن دخولنا للمقر سيكون مع كل هؤلاء... دخول مختلط غير مبرر..."

داخل المقر، عند زاوية مشمسة، حيث يوجد كرسي يتوسط مقصورة زجاجية صغيرة جدا، يتهافت المدخنون على احتلال مساحته الصغيرة، جلست شابة نشأت في فرنسا، تعمل متدربة لدى البعثة الدائمة لبلدها، ألبانيا، منذ شهر و13 يوما بالتحديد.

تُلخص الشابة باللغة الفرنسية، بعد أخذ ورد معها دام قرابة ساعة، انهيار سقف طموحات من التقتهم هنا، بالقول: "لم تعد الأمم المتحدة المكان حيث يمكن صناعة دبلوماسيين للمستقبل... هذا ما أسمعه يوميا من زميلات وزملاء يعملون لدى بعثات بلدانهم أو يتدربون مثلي داخلها".

بدأ النقاش خلال تبادل الآراء حول "مجلس السلم العالمي" الناشئ، ليس مع الشابة الألبانية فقط، بل مع عدد من أطياف "حُجاج" دورات مجلس حقوق الإنسان وغيرها من الفعاليات هنا بجنيف.

ما هو مؤكد، بعد تجميع ما جاء فيها، أن كل شيء لا يزال تحت ضباب المستقبل. تغيرات موازين القوى، ليس المالية أو السياسية، بل الوجودية، خاصة دول أوروبا في علاقتها مع روسيا والصين، وليس الولايات المتحدة الأمريكية بالضرورة كما هو ظاهر.

ضباب يخفي خلفه احتمال صياغة سيناريوهات تصالحات جديدة على حساب خصومات قديمة أو طارئة.

داخل أروقة قصرها، يجول "تيلكيل عربي" بـ"بادج" مطبوع على ورقة، مختبئة داخل الجيب، عوض "بادج" معلق على الصدر كما تشدد على ذلك البروتوكلات الأمنية، وهذا أحد أوجه الأزمة. حتى "البادجات" أصبحت تُطبع على الأورق فقط، يجاورها ختمٌ وإمضاء من سلمها لك، يؤكدان صلاحيتها.

أزمات تؤكد أن الواقع الذي لا يرتفع اليوم ولن يرتفع غدا، هو أن "الأمم المتحدة تعيش سباق الإفلاس بسرعة وقودها سياسات القوى العظمى".