شهرزاد عجرودي
حين تختار امرأة اليوم أن تصير حكواتية، فذلك ليس قرارًا مهنيًا. إنه سوءُ تفاهمٍ جميل مع العصر.
فبينما تُدار الذاكرة عبر “الخوادم”، وتُختزل الحكاية في “محتوى” يبث على وسائل التواصل الاجتماعي، تجلس حليمة حمدان في مواجهة الشاشة الكبرى للعالم، أمام جمهور حقيقي، وتفتتح حكايتها بالعبارة الشهيرة، “ كان يامكان... “
وُلدت الحكواتية المغربية حليمة حمدان أواخر الخمسينيات في سيدي قاسم، مدينة تمشي على إيقاع الحقول. وتخفي بذور حكاية ستكبر لاحقًا على مهل. ترعرعت في كنف والد يملك مكتبة، ما يعد نعمة نادرة في زمن لم تكن فيه الكتب ضيفًا مألوفًا في البيوت. تفتّحت شهيتها على القراءة في سن مبكرة، وانتقلت فيما بعد من دفء المدينة الصغيرة إلى اتساع العاصمة. هناك في ثانوية ''لالا عائشة'' في الرباط، حصلت على شهادة الباكالوريا، التي ستخول لها الالتحاق بجامعة محمد الخامس والحصول على الإجازة في الأدب المعاصر.
لم يكن مسارها مفروشًا بالطمأنينة كما قد يبدو في استعادةٍ لاحقة. تزوّجت في سنٍّ مبكرة، انقطعت عن الدراسةوانحنت قليلًا تحت وطأة اليوميّ، أنجبت بنتين، صارتا مهبط خوفها الأول ومشرق أملها. ثم جاء الطلاقكعاصفةٍ صاخبة. لكنها لم تسمح للحزن أن يستقرّ فيها.
غادرت المغرب في اتجاه فرنسا، لإكمال دراستها العليا في جامعة السربون والحصول على الماجستير في دراسة حول كتاب Parcours immobile لإدمون عمران المالح سنة 1986، وهي رواية تحكي عن تجربة شخصية وجماعية ليهودي مغربي يعيش في باريس بعد أن غادر المغرب عقب الاستقلال. سيصبح إدمون لاحقا من أهم أصدقائها، وسيعرفها بدوره على الكاتب والناقد المغربي الكبير محمد برادة،بالإضافة إلى نخبة من المثقفين والكتاب المغاربة والأجانب.
لم تكن حليمة حمدان تعرف أنها تحمل ثِقَلَ الذاكرة وخِفَّتها. ما ظنته مجرد حقيبة سفر، لم يكن سوى ليلٍ مغربيٍّ مطويٍّ بعناية، ليصير لاحقًا جواز عبورها نحو العالم.
ومن أهم الصدف التي غيرت معالم حياتها، من بعد حكايات جدتها، هو لقائها مع الحكواتي والكاتب الفرنسي هنري غوغو، الذي أعلن عن تنظيم ورشتين للكتابة والحكي في باريس، تسجلت في البداية بنية الالتحاق بورشة الكتابة، لتجد نفسها في ورشة للحكي، خلط صغير في المواعيد، انزياحٌ هائل في المصير. هذا الخطأ الجميل دلّها لأول مرة على صوتها القديم، الذي ظل مختبئًا، يرفس الصمت بأجنحة من خيال، يرقص على خطوط الكلام ويغني من جديد، ''كان يا مكان حتى كان الحبق والسوسان...''
تقف حليمة حمدان في منطقة رمادية. لا تُعلن القطيعة، ولا تنخرط في الاحتفال الساذج. تعدل فقط زاوية الضوء، وتعلم جيدا أن الاشتغال داخل هذه المنطقة شيئ مُكلف، في بلدٍ ما زال يتفاوض مع ماضيه.
إنها تُعيد تعريف الحكاية كمساحة للتفكير، وتعرف مسبقا أن جمهور اليوم مُرهق، سريع الملل، مشبع بالصور، لكنها تُصرّ على أن الجسد البشري ما يزال وسيطًا صالحًا للمعنى ويمكنه أن يُربك نظامًا كاملًا من السرد الجاهز.
في حضورها، يحدث شيء بسيط وعميق، نعود إلى الإصغاء، ويعتبر هذا الأمر في زمن الضجيج، فعل مقاومة.
صوتها يشبه شجرةً خريفية، كلما هزّتها الرياح تساقطت منها الحكايات... محبوب الحكيم ينهض من جديد، حديدان الماكر يعود بخطاه الملتوية، عيشة قنديشة تخلع قناعها لتكشف عن هشاشتها، والملك الذي يحب الألغاز يكتشف أخيرا أنه أكبر لغز وأعظمه، فيما يبدو الغول أقلّ رعبًا من السلطة... إنه تفكيك هادئ، وإعادة ترتيب ناعم للصور النمطية الجاهزة.
وبالرغم من عشقها الكبير للحكاية، لم تُفَرِّطْ حليمة حمدان في حبها للكتابة، إذ تعتبرها امتدادًا للنَّفَس الشفهي، ومحاولة لتثبيت ما يتطاير في الهواء. بدءا بروايتها الأولى “دعوني أتكلم“التي صدرت عام 2006، تليها ''فوضى الحرية'' وهو الكتاب الذي قدّمه جان-ماري غوستاف لوكليزيو، الكاتب والروائي الفرنسي الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2008. ثم”الرجل الذي أراد رؤية الأسد''، “تويزا“،''فتاة موقف الحافلة''... بالإضافة إلى الكثير من القصص والحكايات الموجهة للأطفال. تكتب بفرنسية عجائبية وبنفس حكائي، نصوصا مختلفة، لا تشبه التجارب الروائية الكلاسيكية المؤلوفة.
وفي عام 2014، نالت جائزة” Grand Atlas” في فئة أدب اليافعين عن كتابها "Hdidane le rusé"، وهي جائزة أدبية مرموقة تأسست عام 1991 من قبل السفارة الفرنسية في المغرب، تكريساً لعملٍ لم يكن موجهاً للأطفال فقط، بل للطفل الذي يسكننا جميعا، باعتبار الحكاية ضرورة أنثروبولوجية، ووسيلة لفهم الذات وإعادة ترتيب العالم.
فالحكايةكالنهر، لا يعرف استراحة. تزحف كجدائل الضوء من بين أقدام المارين، وتنبض كقلب طفل عند اكتشاف سرٍ صغير.
تعرف حليمة أن الزمن الطويل في صفّها، وأن المجتمعات التي تفقد حكاياتها، تفقد قدرتها على تخيّل ذاتها.
تدخل عوالم الحكاية بلباسٍ تقليدي،وكأنها تستعيد هيبة الجدات. جلبابٌ واسع يفسح المجال لحركة اليدين، وغطاء رأسٍ يهدّئ الملامح ويضفي على الصوت خلفية صامتة.
يكفي أن تجلس، وتضع يديها على ركبتيها أو ترفع رأسها قليلًا، ليبدأ العالم في ترتيب نفسه، حيث يمكن لجملةٍ واحدة أن تُغيّر مزاج الليل.
سافرت بالحكاية إلى فضاءات عربية ودولية غنية بثقافاتها الشعبية والشفوية مثل الكونغو، بوركينا فاصو، الكوديفوار، البرتغال، إسبانيا، رومانيا، اليونان، إيطاليا، مصر، لبنان، ليبيا، بلجيكا، كندا ... واللائحة طويلة وعابرة. اشتغلت على تثمين التراث الشفهي المغربي، كما نظمت ورشات للحكاية لفائدة الأطفال في المغرب وعبر العالم،
محاولة زرع بذور السؤال، والشكّ في سياقٍ تعليميٍّ محافظ، فعلٌ شجاع.
من المسارح الصغيرة إلى الفضاءات الكبرى، ومن بينها فضاء “شجرة الكلمات” في Musée du quai Branly – Jacques Chirac، حيث أدارت لقاءاتٍ حول تقاطعات تقاليد العالم، والمشترك الإنساني. كما شاركت في برامج محو الأمية، واستخدمت القصة كأداةً بيداغوجية لتعليم اللغة الفرنسية. أطلت على الجمهور المتعطش للحكاية بوتيرة أسبوعية عبر برنامج '' Reines d'Afrique'' على إذاعة فرنسا الدولية.
لكن المشهد الأكثر حميمية، يتجلى حين تقف في عروض مشتركة إلى جانب ابنتها الراقصة كاميليا منتصر. الأم تحكي والإبنة ترقص، كأن الحكاية تختار شكلًا آخر للحياة. من حنجرةٍ تعرف أسرار الليل، إلى جسدٍ يتقن ترجمة الضوء. الأم تُزيح الجاذبية عن الحكاية، والابنة تمنحها جناحين. حتى يتذكّر الناس أنهم كانوا يوما ما أطفالًا، وأنهمعلى نحوٍ غامض، قد صاروا اليوم أطفالًا.