نصف ساعة فقط!

يوسف معضور

لم أعد أطالب بحذف الساعة "غير القانونية" في هذا المقال الثالث حول الموضوع الذي أنشره هنا على موقع "تيلكيل عربي"، خففت سقف المطالب وصرت أطالب فقط بنصف ساعة كدفعة أولى نتسلمها جميعا من يد الحكومة بحضور مسؤول يبتسم وهو يعلن وسط تصفيقات الحضور، "استجبنا جزئيا لمطالب الشعب" ربما لأن الحكومة عودتنا في ملفات زيادة أجور الموظفين على دفعتين ومن جهة أخرى، جميع الحلول استنفذت في مطالبة بحذف الساعة لذلك يجب أن نجرب أيضا نصف ساعة عوض ساعة كاملة.

أما النصف الثاني من الساعة، فلا داعي للعجلة، يمكن برمجته السنة المقبلة، نتسلمه في احتفالية وطنية باستكمال "الوحدة الساعتية " وبتحقيق مطلب جماعي طالبنا به منذ سنوات، في إطار رؤية إصلاحية بعيدة المدى، تعودنا على هذا المنطق، الزيادات في الأجور على دفعتين، الإصلاحات على عدد مراحل، فلماذا نريد استثناءا في موضوع الساعة بالتحديد؟

بعد سنوات من المطالبات، والكتابات، والفيديوهات، والاحتجاجات الصامتة والساخرة و السلمية، استنفدنا كل السبل والأساليب، لم يتبقى لدينا سوى أن نجرب هذا الحل الساخر "نصف مطلب بدل مطلب كامل "، لعلّه يلقى آذان صاغية ويجد طريقه إلى التنفيذ.

ولمَ لا نحول استرجاع النصف الثاني إلى مناسبة وطنية، و يوم عطلة، احتفالات في الساحات، و نغني أغان تمجد "الإنجاز" من قبيل أغنية ساعة سعيدة ما تباع بأموال للراحل محمود الادريسي ونرفع شعار: "لما قنَعْ بساعة، يقنع بنصها".

كل هذه السنوات من النقاش، والجدل، وتداول النكت المبدعة، التي أصبحت أكثر انتشارا، يبدو أننا استنفدنا كل وسائل المطالبة التقليدية، جربنا الجدية، فلم تُجد شيآ، جربنا الغضب، فتم امتصاصه، لم يتبق لنا إلا السخرية لأنها تبقى أفضل وسيلة للتعبير عن الواقع!

قد يبدو هذا الطرح ساخرا، لكنه في العمق يعكس واقعا بسيطا ومقلقا، حين يصبح تحقيق مطلب واضح ومباشر أمرا معقدا إلى هذا الحد، فإننا نبدأ تدريجيًا في تخفيض سقف انتظاراتنا، نقبل بالقليل، ثم نُقنع أنفسنا بأنه كثير٫ نحتفل بالنصف، ونؤجل النصف الآخر، إلى أجل غير مسمى.

لا تكمن المشكلة في الساعة نفسها، بل في الطريقة التي نُدبّر بها الزمن، ونُدبّر بها مطالب الناس، انتظارات تُروّض حتى تتلاءم مع الإيقاع البطيء للإصلاح.

يبدو أننا لا نختلف كثيرا حول "الساعة"، بقدر ما نختلف حول قيمة الزمن نفسه، ليس زمن التوقيت الإداري، بل زمن المواطن الذي يُطلب منه دائما أن يعتاد على كل شيء!