مول لهْري.. أكثر من مجرد تاجر!

يوسف معضور

لا يكمن اعتبار محل "مول لهْري" فضاءا عاديا نتوجه إليه فقط عند شراء حاجياتنا اليومية من مواد غذائية وغيرها، بل هو مكون من المكونات الاجتماعية للأحياء الشعبية وأيضا التجمعات السكنية التي ظهرت بداية التسعينيات.

وجود "مول لهْري" لا يقتصر على بيع السلع و المنتجات الغذائية، بل يمتد ليشمل دورا إنسانيا و اجتماعيا داخل الأحياء، لا يمكن لأي مساحة تجارية أن تعوضه وتقوم بدوره خصوصا أن هذه الأخيرة تعتمد في طريقة البيع على نظام دقيق في ترتيب المنتوجات وطريقة الاداء.

مول لهرْي، يعرف زبائنه بالاسماء يتقاسمون معه أحيانا تجاربهم وقصصهم أفراحهم واقراحهم، الأمر هنا يتجاوز ماهو تجاري، حيث يساهم بطريقة غير مباشرة في ابراز شكل من أشكال التضامن الاجتماعي من خلال منح تسهيلات في الاداء للاسر المعوزة!

في السنوات الأخيرة وبفعل تغيير في الأنماط العيش لم يعد" مول لهرْي" ذلك الفاعل الاقتصادي الاجتماعي البسيط الذي يضمن حاجيات الساكنة اليومية، بل أصبح في مواجهة مباشرة مع زحف واضح للاسواق الممتازة التابعة للماركات الكبرى والتي بدورها تخوض حروب تسويقية تجارية فيما بينها، تعتمد فيها على خطة افتتاح المتاجر في نفس المنطقة واحيانا بصفر مسافة.

هذا التحول يطرح علامات استفهام عديدة حول مستقبل هذا التجارة التقليدية الصغيرة، وحول التوازن الاجتماعي والاقتصادي.

صحيح أن الأسواق الممتازة تقدم أثمنة تنافسية متنوعة، ومنتوجات كثيرة وعروضا أوفر وتجذب انتباه المستهلك، تواكب أيضا أنماط حياتية جديدة وتوفر فرص شغل كثيرة، لكن من جهة أخرى، هذ التطور يؤثر على مداخيل التاجر الصغير، ويقحمه في منافسة غير متكافئة، ويزيد من ضعف مواكبته لهذا التطور، لحماية هذا النشاط التجاري من الانهيار أمام الزحف المتسارع لأخطبوط الأسواق الممتازة!

المشكل هنا ليس في وجود هذه الأسواق بحد ذاته، بل في غياب توازن عادل بين الطرفين داخل سوق يحكمها الاقوى ماليا، حتما ستكون النتيجة إقصاء الفاعلين الصغار تدريجيا، واختفاؤهم عن المشهد ككل، ومع مرور الوقت، قد نجد أنفسنا أمام مشهد تجاري موحد تسيطر عليه سلاسل كبرى برؤوس أموال ضخمة، مما يهدد هذا التنوع الاقتصادي ويضعف روح المبادرات الفردية.

أمام هذا الواقع، أصبح من الضروري التفكير في حلول عملية من طرف الدولة تضمن مسايرة "مول لهرْي " والمحلات التي تشبهه، لهذا الزحف بدل الإقصاء، من خلال دعم التجار الصغار، وتنظيم القطاع وتوفير تكوينات في التسويق والتسيير، وتشجيع المستهلك على الحفاظ على علاقته بتجارة القرب من أجل إعادة التوازن!

يجب أن نطرح سؤالا مهما من قبيل، أي نموذج مجتمعي نريد؟ هل المسألة تتعلق فقط بعملية استهلاك و شراء وخلق نموذج جديد لأحياء بلا روح، تُختزل في مساحات تجارية ضخمة، أم أننا نريد مجتمعا يحافظ على دفئه الإنساني، حيث يبقى وسطه “مول لهرْي” أكثر من مجرد تاجر، بل صمام آمان اجتماعي وجزءا من الحياة اليومية وسط الاحياء السكنية!