حوار.. الهزيتي يتحدث لـ"تيلكيل عربي" عن رهانات الجيل الجديد من برامج التنمية

خديجة قدوري

صادق المجلس الوزاري، الخميس الماضي بالقصر الملكي بالرباط، على مشروع قانون تنظيمي يتعلق بالجهات، يروم تعزيز الجهوية المتقدمة عبر تقوية اختصاصات الجهات ومواردها المالية، وتسريع وتيرة تنفيذ المشاريع، إلى جانب مشروع قانون تنظيمي آخر يهم التعيين في المناصب العليا، شمل إضافة مؤسسات ومناصب جديدة ضمن لائحة التعيينات المتداولة.

كما قدم وزير الداخلية عرضا حول الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي تقوم على مقاربة تشاركية تنطلق من الحاجيات المحلية للمواطنين، بغلاف مالي إجمالي يناهز 210 مليارات درهم موزعة على مدى ثماني سنوات، وذلك خلال المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس.

في هذا السياق، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع محمد أنوار الهزيتي، الخبير في التنمية الترابية وإصلاح الإدارة، كشف خلاله أن "الجيل الجديد" من برامج التنمية الترابية المندمجة يمثل خطوة مهمة نحو تحديث مقاربة تدبير التنمية المحلية، غير أنه لا يمكن اعتباره قطيعة كاملة مع المقاربات السابقة، بقدر ما هو تطور تدريجي يستحضر محدودية المنظومة الحالية وضرورة إصلاحها بشكل متكامل لضمان الانتقال من منطق التشخيص والتتبع إلى منطق تسريع الإنجاز وتحقيق الأثر.

إلى أي حد يمكن أن يشكل هذا "الجيل الجديد" من برامج التنمية الترابية المندمجة قطيعة مع المقاربات السابقة في تدبير التنمية المحلية؟

لفهم طبيعة هذه القطيعة، ينبغي استحضار المسار التاريخي للسياسات الترابية في المغرب، خاصة منذ اعتماد اللاتمركز الإداري ومروراً بإرساء الجهوية المتقدمة بموجب دستور 2011 والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية لسنة 2015.

المقاربات السابقة كانت تتسم بثلاث سمات بنيوية: هيمنة المقاربة القطاعية، حيث كانت كل وزارة تشتغل بمنطق عمودي دون تنسيق فعلي مع باقي القطاعات، ومركزية القرار رغم وجود برامج ترابية، إذ ظلت سلطة البرمجة والتحكيم المالي متمركزة، ثم ضعف الالتقائية مما أدى إلى تكرار المشاريع أو غياب تكاملها داخل نفس المجال الترابي.

أما الجيل الجديد فيسعى إلى تجاوز هذه الاختلالات عبر ثلاث تحولات رئيسية: الانتقال من منطق البرامج إلى منطق المشاريع الترابية المندمجة، حيث يتم تجميع تدخلات متعددة ضمن رؤية موحدة، واعتماد التخطيط المبني على النتائج بدل منطق الوسائل، ثم تعزيز دور الجهة كفاعل استراتيجي في التنسيق والقيادة، انسجاما مع مبدأ التدبير الحر.

ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن قطيعة إبستمولوجية كاملة، لأن البنيات الإدارية والثقافة التنظيمية ما تزال تحمل إرث المقاربة المركزية، لذلك نحن أمام قطيعة تدريجية مشروطة بمدى تنزيل إصلاح اللاتمركز الإداري بشكل فعلي، خاصة عبر نقل السلط والموارد إلى المستوى الترابي.

كيف تقيمون اعتماد مقاربة تشاركية مبنية على تشخيص ميداني شامل يشمل التشغيل والصحة والتعليم والماء؟ وهل هي كافية لضمان نجاعة السياسات العمومية؟

هذه المقاربة تعكس تبني ما يعرف في الأدبيات الحديثة بالتخطيط الترابي التشاركي، وهو توجه يتقاطع مع توصيات مؤسسات دولية كالبنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، التي تؤكد على ضرورة "إقليمية السياسات العمومية".

في السياق المغربي، تتجلى أهمية هذه المقاربة في تصحيح اختلالات الاستهداف، إذ أن العديد من البرامج السابقة عانت من ضعف دقة المعطيات الترابية، خاصة في مجالات كالهشاشة الاجتماعية أو البطالة المحلية، إضافة إلى إدماج البعد متعدد الأبعاد للفقر عبر الجمع بين مؤشرات التعليم والصحة والبنيات الأساسية، وهو ما يتقاطع مع مقاربات المندوبية السامية للتخطيط، ثم تعزيز الشرعية الديمقراطية المحلية من خلال إشراك الفاعلين المحليين (منتخبين، مجتمع مدني، فاعلين اقتصاديين).

غير أن الإشكال يكمن في أن التشخيص، مهما كان دقيقا، لا يضمن لوحده النجاعة، فهناك ثلاثة محددات حاسمة: القدرة المؤسساتية التي تعاني فيها العديد من الجماعات الترابية من ضعف التأطير التقني والهندسي، وإشكالية التنسيق متعدد المستويات بين الدولة والجهات والجماعات، ثم استدامة التمويل في ظل محدودية الموارد الذاتية للجماعات واعتمادها الكبير على تحويلات الدولة، لذا فإن المقاربة التشاركية تمثل مدخلا ضروريا لكنها تحتاج إلى هندسة تنفيذية قوية لضمان التحول من التشخيص إلى الأثر الفعلي.

ما دلالة إحداث شركات مساهمة جهوية لتعويض وكالات تنفيذ المشاريع؟ وهل يشكل ذلك فعلاً رافعة لتحسين الحكامة أم يطرح مخاطر جديدة في التدبير؟

هذا التحول يندرج ضمن تحديث الإدارة المحلية، الذي يسعى إلى استلهام أدوات القطاع الخاص لتحسين نجاعة المرفق العمومي، حيث تُعتبر شركات المساهمة الجهوية آلية هجينة تجمع بين الطابع العمومي والمرونة التدبيرية الخاصة.

في الحالة المغربية، تتعدد دوافع هذا الاختيار، من بينها تجاوز بطء مساطر الصفقات العمومية، وتحسين جاذبية الهياكل التنفيذية للكفاءات التقنية، إضافة إلى تسريع وتيرة الإنجاز، خاصة في المشاريع المهيكلة. ومن حيث الإمكانات، يمكن لهذه الشركات أن تحقق مرونة مالية وتدبيرية أكبر، وتقليص آجال الإنجاز عبر تبسيط مساطر التعاقد، إلى جانب تحسين حكامة المشاريع عبر اعتماد مؤشرات أداء واضحة.

وفي المقابل، يطرح هذا النموذج مجموعة من التحديات البنيوية، أبرزها إشكالية المساءلة، إذ قد تصبح هذه الشركات خارج الرقابة التقليدية للمجالس المنتخبة إذا لم يتم تأطيرها جيدا، فضلا عن مخاطر الخوصصة المقنعة خاصة إذا تم تفويض مهام ذات طابع اجتماعي لمنطق ربحي، إضافة إلى تضارب المصالح وإشكالات الشفافية في الصفقات. وبالتالي، فإن نجاح هذا النموذج يقتضي إرساء حكامة تعاقدية عبر عقود برامج دقيقة، وربط التمويل بالأداء، وتعزيز دور أجهزة الرقابة كالمجلس الأعلى للحسابات.

كيف يمكن تقييم ربط هذه البرامج بالتدقيق السنوي والمنصة الرقمية للشفافية في ظل التحدي المزمن المرتبط ببطء تنفيذ المشاريع العمومية؟

هذا التوجه يعكس إدماج أدوات الحكامة الرقمية والتدقيق المبني على المخاطر في تدبير البرامج العمومية. ومن الناحية النظرية، فإن الجمع بين التدقيق السنوي والمنصات الرقمية يحقق ثلاثة أهداف رئيسية: تعزيز الشفافية عبر إتاحة المعطيات للعموم بشكل مفتوح، وتحسين التتبع اللحظي بما يسمح بالتدخل المبكر لتصحيح الاختلالات، ثم ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

في السياق المغربي، تتقاطع هذه الآليات مع أوراش كبرى مثل التحول الرقمي للإدارة وتبسيط المساطر. غير أن الإشكال العميق لا يزال مرتبطا بما يمكن تسميته "عنق الزجاجة التنفيذي"، والذي يتجلى في تعقيد مساطر نزع الملكية والعقار، وبطء مساطر الصفقات العمومية رغم الإصلاحات، إضافة إلى ضعف التنسيق بين المتدخلين ومحدودية القدرات التقنية على المستوى المحلي.

وبالتالي، فإن المنصة الرقمية والتدقيق يمكن أن يحسنا الشفافية، لكنهما لا يعالجان بالضرورة جذور البطء. لذلك، يقتضي الأمر مقاربة شمولية تشمل تبسيط الإطار القانوني للمشاريع العمومية، وتعزيز اللاتمركز الفعلي للقرار الإداري، وتأهيل الموارد البشرية الترابية، واعتماد آليات للتدبير السريع للمشاريع الاستراتيجية.

الخلاصة أن هذه الأدوات تمثل تقدما مهما في اتجاه تحديث الحكامة، لكنها تظل جزءا من منظومة أوسع ينبغي إصلاحها بشكل متكامل لضمان الانتقال من منطق "تتبع التعثر" إلى منطق تسريع الإنجاز وتحقيق الأثر.