الداخلية والأحزاب.. "المساءلة" و"التقديس"

أحمد مدياني
أحمد مدياني

شرعت الأحزاب السياسية في وضع اللمسات الأخيرة على طريق بلوغ موعد الانتخابات التشريعية، بشعار واحد: "تحديد الأسماء المرشحة وفق ما تفرضه الضرورة لا الحاجة".

"سباق التنافس" الحقيقي على "الرتبة الأولى" انطلق منذ خطاب العرش الأخير، حين فهم الأمناء العامون ومن يدور في فلكهم، أن الإشارة وصلت، وأن من يرغب في دخول حلبة إعادة تدوير "النخب" و"الأعيان" حلال عليه ذلك. لا أحد يملك "الكارت بلونش" ليستمر فوق رقاب المغاربة.

تدوير طال ويطال حتى تلك التي نزلت وسوف تنزل من خلف مقطورات شاحنات "تستاهل ما حسن".

"الأحرار" يدبر توزيع التزكيات بترديد دعاء "اللهم خفف ما نزل". ذلك أن أغلب، إن لم يكن كل، الذين توصلوا بتوجيهات دعم أخنوش خلال الانتخابات التشريعية السابقة، لم يُذكرهم أحد هذه المرة بإعادة شحن رصيد "الحمامة" لتحلق.

حزب "الجرار" تائه ما بين قرارات "وكلاء توزيع التزكيات" واستدعاءات "وكلاء الملك". داخله، وصلت مرحلة التيه حد أن حتى من حرموا قضائيا من جوازات سفرهم لمغادرة التراب الوطني، يواصلون، بتوجيهات من قيادة الحزب المختلطة، تحديد مصير من سوف يترشح تحت يافطة "الأصالة" ومن تحت لافتة "المعاصرة".

"ميزان الاستقلال" يميل بين كفتيه، مع ميلان التوقعات التي تذهب به رأسا نحو المركز الأول. لكن قيادته، بفضل الجينات، وليس الخبرة السياسية، تعرف أن "رأس المخزن ماشي كدية"، يدور مع دوران مصالح الاستقرار وضمان استمرار أهدافه مهما كانت الوجوه المكلفة بتنزيلها.

"السنبلة" تميل، بدورها، مع ميلان ريح قرب موسم الحصاد. يمكن القول إنها المستفيد الأول من إعادة تدوير "الأعيان" الذين كانوا، إلى وقت قريب، يحقنون أجنحة "الحمامة" بمنشطات تضمن التحليق لأبعد مسافة وأطول مدة.

وصلنا إلى "الوردة". لا نملك هنا غير ترديد لازمة كاتبها الأول الخالد، منذ اعتلائه كرسي كتابة الحزب الأولى، مع قرب موعد الانتخابات التشريعية، تعرفونها: "الاتحاد سوف يحتل الرتبة الأولى!" ... نحتاج أن نصدقه هذه المرة، حتى إن اضطر جميع المغاربة للانتقال إلى كونٍ مواز يرون فيه لشكر رئيسا للحكومة.

حزب التقدم والاشتراكية... انتباه، وصلنا محطة الخليط العجيب الغريب ما بين خطاب السياسة والحاجة لمن يحترفون ملء صناديق الاقتراع برمز "الكتاب".

أحفاد علي يعتة يستحقون، وحدهم، مادة في العلوم السياسية تُدرس باسم تجربتهم الممتدة في الأغلبية والمعارضة.

ماذا عن أحزاب اليسار التي تَعتبر نفسها يسارية أكثر من باقي اليسار؟!

الرفاق يُحرمون الحديث عنهم، هم أنظف من الجميع... أكثر حضورا وقوة من الكل...

أين السر؟

يوجد في أنهم يطالبون دائما وأبدا بتجديد النخب... التداول على السلطة... الديمقراطية في اختيار القيادات...

يملكون قدرات هائلة في الترافع من أجل مطالب حداثية بزعماء مُعمرين... ضد "عدوهم المخزن"... الذي يُجدد وجوهه وأساليبه وبرامجه... ثم يلتفت إليهم حين يزعجونه... يجد أن نفس الملامح ترفع شعارات "إسقاطه"... يُميز وسطهم نفس نبرات الصوت وإن شاخت...

هل نسيت إشعال الضوء على "المصباح"؟

لا.

بل تجاهلته.

كيف؟

لأنه من حق المغاربة حتى حين يغضبون، مواجهة، وإن في سرهم، عدوا واضحا، يأكل مع الضباع ثم يبكي عند فخذي الراعي.

وسط كل ما سبق، هناك حزب آخر، هو الأول: "حزب وزارة الداخلية". أعادت شروط موضوعية وذاتية إعادته للواجهة حين منح المجلس الوزاري الأخير لرجالاته ونسائه السلطة المطلقة.

هل اختار أن يكون كذلك، أنا على قناعة أنه لم يشأ وإن كان حرسه القديم بجيله الجديد ينتظر الفرصة.

لماذا؟

لأن القوى السياسية والمدنية والحقوقية والنقابية... مع وصول الملك محمد السادس لكرسي العرش، حازت الشيء الكثير ثم قدمت للمغرب القليل.

سوف ألخصها في جملة: الداخلية تترك خلفها فقراء أو أغنياء تسهل محاسبتهم... الأحزاب، بيمينها وشمالها ووسطها، تصنع أصناما تُحرم مساءلتها، بل وجب عبادتها!

في المغرب، قد لا يتذكر الجيل الجديد اسم وزير الداخلية القديم، لكنه مضطرٌ لأن يعيش على رنين أسماء زعامات حزبية مُعمرة، وُجدت لتعيش الخلود السياسي وتنعم بثرائه، وهي تفرض على الأصدقاء قبل الأعداء ضرورة شكرها على أنها بيننا.

عودٌ على بدء... الأحزاب السياسية شرعت في وضع اللمسات الأخيرة على طريق التنافس لبلوغ صناديق اقتراع "الفوز" بالانتخابات التشريعية.

والواقع، اليوم، هو أنها مُنحت تدبير اختياراتها بما تفرضه الضرورة لا الحاجة.

لأن المغرب اليوم في حاجة، قبل أي وقت مضى، وبالضرورة، لمسؤولين تستطيع الدولة مساءلتهم ومحاسبتهم دون خسائر جانبية، لا لكائنات مُعمرة أو طارئة تفرض، بكل ما تنتجه من خسائر رغم كل كوارثها، تقديسها!