نظمت مؤسسة وسيط المملكة حلقة نقاشية علمية ومؤسساتية حول المؤشرات وصناعتها ووظيفتها في التقييم وقياس الأداء وقراءة الأثر، مع إدراج مشروع المؤشر الوطني للوساطة ضمن هذا الأفق العام.

هذا وقد ارتبط تطور المؤشرات بتحول أوسع مس تصور الأداء داخل المؤسسات العمومية والهيئات المستقلة. حيث أصبحت هذه المؤسسات مطالبة بتقديم حصيلتها في صيغة تسمح بقراءة ما تحقق، والتمييز بين مستوى النشاط ومستوى الأداء، وربط ذلك بما يترتب عنه من نتائج وآثار. وقد أسهمت أدبيات التتبع والتقييم، إلى جانب الأجندات الدولية في الحكامة والتنمية في ترسيخ هذا التوجه، من خلال الدفع نحو مؤشرات أكثر قدرة على التقاط تعقيد تنفيذ السياسات والخدمات، وربط الجهد المبذول بما يحدثه من تغيير داخل الواقع الإداري والاجتماعي.
في هذا الصدد، قال حسن طارق، وسيط المملكة، إن جودة المؤشرات ترتبط بصدقيتها وبتمثيليتها، ببساطتها ووضوحها، بتوفر معلوماتها وقابليتها للاستعمال في القرار العمومي، بحساسيتها للتغيير، وقابليتها للقياس والمقارنة. لذلك فإن إخضاعها للاختبار الحجاجي هو أحد ضمانات هذه الشرعية. بل يكاد يكون مدخلا لبناء مشترك لشبكة مؤشرات تعنى بقياس أثر السياسات المرفقية.
وأبرز وسيط المملكة، في معرض حديثه، أن التفكر في مؤشرات تقييم الحكامة المرفقية يرتبط بمدخلين أساسيين بالنسبة لمؤسسة الوسيط، يتمثلان في الطموح لبناء شبكة تحليل دينامية للحكامة المرفقية انطلاقا من انتدابنا الدستوري كهيئة للحكامة، وكذا الطموح المعلن في تقرير 2024 لإعادة النظر في هيكلة التقارير السنوية وبنائها انطلاقا من مؤشر وطني للوساطة.
وأضاف أن هذا المؤشر يتأسس حول ثلاثة مؤشرات مركزية، يتمثل الأول في مؤشر الطلب على الوساطة الذي يعنى بتحليل وتوصيف طبيعة الطلب الوارد على المؤسسة، والثاني في مؤشر تفاعل المؤسسة الذي يُعنى بقياس فعالية وسيط المملكة في تدبير التظلمات والشكايات، والثالث في مؤشر تجاوب الإدارة الذي يُعنى بتقييم حدود التجاوب الإداري في مسار الوساطة المؤسساتية.
وأفاد أن مرجعية تقييم وتحليل الحكامة المرفقية ترتبط أساسا بالوثيقة الدستورية وبميثاق المرافق العمومية، مشيرا إلى أن الدستور المغربي يربط بين تنظيم المرافق العمومية وبين أُسس ثلاثة: المساواة والإنصاف المجالي والاستمرار في الأداء، ليحدد بعد ذلك أربعة معايير لها تتمثل في الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.
ثم يربط، يضيف وسيط المملكة، بين المرافق وبين خضوعها للمبادئ والقيم الديمقراطية، كما يربط في مستوى آخر ممارسة أعوانها لوظائفهم وفق خمسة مبادئ كبرى ملزمة للقائمين عليها: احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة، ليضمن في الأخير تلقي المرافق لملاحظة المرتفقين وتأمين تتبع اقتراحاتهم، وتقديم الحساب عن تدبيرها للأموال وخضوعها للمراقبة والتقييم.
ولفت الانتباه إلى أن ميثاق المرافق العمومية (القانون 54.19) يحدد، من جهته، خضوع المرافق العمومية للمبادئ العشر التالية: احترام القانون، والمساواة بين المرتفقين، والإنصاف المجالي، والاستمرارية في أداء الخدمات، والملائمة والتطوير المُستمر، والجودة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والنزاهة، والانفتاح والتواصل وتلقي الملاحظات واقتراحات المرتفقين.
واستطرد قائلا إن الحرص على بناء وبلورة شبكة مؤشرات للحكامة المرفقية، و"ورش" تصميم مؤشر وطني للوساطة المؤسساتية يهيكل متن التقرير السنوي للوسيط ويجيب عن أسئلة تحول الطلب على الوساطة، ويحلل الأداء المؤسسي للوسيط، ويقيم التجاوب الإداري مع مسارات الوساطة، يشكلان هدفا مزدوجا للرؤية الاستراتيجية التي تحكم عمل المؤسسة خلال الفترة الممتدة من 2025 إلى 2030.
وتابع أن الانخراط في هذا الأفق، لا يحمل أي أوهام تقديسية لأدوار المؤشرات نفسها، باعتبارها مجرد وسيلة لقراءة الواقع، ولمساعدة المُدبر العام ولإضاءة أسئلة الباحث ولتنوير الحوار العمومي حول السياسات.
ولفت الانتباه إلى أنه لذلك تم المزج في تقرير المؤسسة الأخير بين الإحصائيات السنوية، وبين تحليل الاتجاهات الكُبرى التي تطبع تحولات الإدارة المغربية والطلب على الوساطة والديناميات الاجتماعية، ولذلك تم الانفتاح على قراءة وتحليل الخريطة الذهنية والعاطفية للشكاية.
للإشارة، يستند هذا المسار إلى ما راكمته المؤسسة من معطيات متصلة بمعالجة التظلمات، وما تمنحه من إمكانية قراءة مسار العلاقة بين الإدارة والمرتفق، سواء على مستوى تشكل إداري وما يرتبط به من أثر. الطلب على الوساطة، أو على مستوى معالجته داخل المؤسسة، أو من حيث ما ينتهي إليه من تجاوب.