تشهد أسعار اللحوم الحمراء في المغرب ارتفاعا ملحوظا مع اقتراب عيد الأضحى، ويأتي هذا الارتفاع في وقت تتصاعد فيه مخاوف المستهلكين من استمرار غلاء الأسعار، خاصة في ظل الضغط الموسمي الذي يعرفه سوق المواشي خلال هذه الفترة من السنة، حيث تتحول الأسعار إلى مستويات قياسية قبل حلول العيد.
سياسة دعم واسعة… وأسعار اللحوم خارج السيطرة
في هذا السياق، أفاد عبد الحق بوتشيشي، المستشار الفلاحي المعتمد من طرف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات ونائب رئيس الفدرالية المغربية لمقاولات التحسين الوراثي الحيواني، أن الدولة اعتمدت، منذ سنوات، تدابير في مسعى لخفض الأسعار، منها إعفاء استيراد الأغنام والأبقار والعجول من الرسوم الجمركية والضرائب، وكذلك الضريبة على القيمة المضافة، كما تم دعم الأغنام بمبلغ 500 درهم في عملية عيد الأضحى، في إطار ما عرف في حينه بمصطلح "الفراقشية".
وأوضح المستشار الفلاحي، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن الدولة مازالت تسمح باستيراد العجول المعدة للذبح أو للتسمين مع الإعفاء من الرسوم الجمركية والقيمة المضافة، وصولا إلى استيراد اللحوم الطرية والطازجة والمجمدة، بهدف أن يكون لهذا الانفتاح أثر مباشر على السوق وعلى الأسعار.
اللحوم بين الدعم وغياب التسقيف
وأبرز بوتشيشي أنه عندما يتم منح ترخيص دون أن يكون مصحوبا بقانون زجري يترتب عنه محاسبة المخالف، فإن ذلك يطرح إشكالا حقيقيا، خاصة وأن المستفيد من دعم 500 درهم لم يبع الخروف خلال عيد الأضحى بل احتفظ به من أجل التسمين، إضافة إلى أنه لم يتم تحديد الثمن الذي ينبغي أن يباع به ذلك الخروف، ما جعل الأمور تظل مفتوحة على كل الاحتمالات، وهو ما استغله المضاربون وتجار الأزمات للعبث بالسوق والتصرف دون حسيب ولا رقيب في حق المستهلكين.
وأضاف المتحدث أن إشكالية وجود فراغ قانوني فيما يتعلق بمحاسبة المستفيدين من الدعم والإعفاءات الضريبية لا تزال قائمة، معتبرا أن الدولة عندما تعتمد مثل هذه الإجراءات يفترض أن يقابلها ضبط واضح للأسعار، من خلال التسقيف.
وأفاد بوتشيشي أن الجزارة والتجار والمستوردون يستغلون مبدأ حرية السوق وقانون حرية الأسعار، مبرزا أن هذا المبدأ لا يمكن تطبيقه بنفس الشكل على مواد مدعمة أو معفاة من الرسوم الجمركية والضرائب، إذ يفترض، حسب تعبيره، أن يتم في هذه الحالة تسقيف الأسعار بدل تركها في إطار التحرير الكامل، مشيرا إلى أن بعض الجزارين يبيعون اللحم بما بين 80 و85 درهما، بينما يبيع آخرون نفس اللحم بنفس المنطقة بـ120 درهما للكيلوغرام، مما يطرح سؤالا حول أسباب هذا التباين ويبرز، حسب تعبيره، جشع بعض فئات الجزارة.
واستطرد قائلا: وهنا أفتح قوسا لأشير إلى أن نسبة كبيرة من الجزارة راكموا أرباحا خيالية خلال هذه السنة تحت غطاء تحرير الأسعار، مشيرا إلى أنه تم في السنة الفارطة إلغاء شعيرة الأضحى من أجل إعادة بناء القطيع، ما أدى إلى انهيار الأثمنة، غير أن هذا الانهيار لم ينعكس عند الجزارين، حيث بلغت "الدوارة" 1000 درهم، معتبرا أنه لا يمكن ترك ما يقع في السوق تحت غطاء حرية السوق.
بعد إلغاء الشعيرة، لم تكن تكلفة الكيلوغرام تتجاوز 40 إلى 45 درهما، في حين تم بيعه للمستهلك بما يصل إلى 100 درهم، وهو ما يثير تساؤلات حول دور مصالح حماية المستهلك وأجهزة المراقبة في ضبط مثل هذه الممارسات داخل السوق.
اللحوم بين الغموض والمراقبة الضعيفة
في هذا الصدد، أفاد المستشار الفلاحي، أن المجهودات التي تقوم بها الدولة مهمة في شق منها، غير أن ما ينقصها هو تفعيل المراقبة المستمرة، إلى جانب تسقيف أثمنة المواد المدعمة. وطالب وزارات الفلاحة والداخلية والمالية بوضع قانون يلزم الجزارة بتعليق بلد المنشأ على اللحوم التي يبيعونها، معتبرا أنه لا يعقل أن يباع لحم معفى من الضرائب بأسعار تصل إلى 100 حتى 120 درهما تحت غطاء "بلدي".
أرقام الوفرة وأسعار غير مفهومة
كشف بوتشيشي أن لحم الغنم وصل إلى أرقام قياسية، رغم أننا نتوفر، بلغة الأرقام، على ما يقارب 30 مليون رأس من صغار المجترات، أي الأغنام والماعز، وفق الإحصائيات التي خرجت بها وزارتا الفلاحة والداخلية السنة الماضية، والتي تم تحيينها ما بين شهري يونيو وغشت 2025، حيث كشفت هذه الأرقام أننا نتوفر على 23 مليون رأس من الأغنام و9 ملايين من الماعز.
وأوضح أن 23 مليون رأس من الأغنام تتوزع على ما يفوق 16 مليون رأس من الإناث (النعاج والخرفان)، ولدينا حوالي 7 ملايين من "الحولي"، و5 ملايين من الماعز، إضافة إلى حوالي 2 مليون من الذكور.
وأفاد بوتشيشي أن السنة تبدو جيدة، بلغة الأرقام، غير أنه يجب توضيح الصورة للمستهلك، حيث إن "الحولي" هذه السنة استهلك أعلافا مستوردة، وبالتالي فإن تكلفته ستكون مرتفعة، مضيفا أن الكساب لم يحقق أرباحا كبيرة كما يعتقد، لأن الخروف الذي سيباع خلال عيد الأضحى مولود السنة الفارطة.
من كلفة العلف إلى جشع الوسطاء
وأشار بوتشيشي إلى أنه في سنة 2025، وبحكم كونها سنة جافة، فإن "النعجة" كانت تستهلك في المتوسط حوالي 6 دراهم في اليوم ما بين العلف والتبن، وهو ما قد يصل إلى حوالي 2000 درهم دون احتساب اليد العاملة وتكاليف أخرى. كما أشار إلى أن الخروف، إذا تمت تربيته لمدة 6 أشهر، قد يكلف ما بين 1500 و2000 درهم من العلف فقط، غير أنه شدد على أن الإشكال الحقيقي يرتبط بما وصفه بـ"الفراقشية" و"الشناقة".
وأورد أن الوسيط كان في ما مضى يشكل حلقة مهمة في منظومة تربية المواشي. غير أن ما وقع اليوم هو أن هذا الوسيط الذي كان يكتفي بهامش ربح في حدود 50 درهما للرأس، لم يعد حاليا يرضيه هذا الهامش ، إذ أصبح يطلب على الأقل 500 درهم كربح في الرأس، وفي بعض الأحيان يصل الأمر إلى تعدد الوسطاء، اثنين أو ثلاثة أو حتى أربعة، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع الكلفة بشكل كبير ومبالغ فيه.
الدعم والمراعي… أسعار الأضاحي ترتفع
وأوضح المستشار الفلاحي أن هذه السنة الممطرة أعادت الحياة للمراعي، حتى إن الكساب أصبح ينظر إلى الخروف أو البقر الذي يملكه باعتباره قد ازدادت قيمته لأنه يرعى ويستفيد من الكلأ الطبيعي، وبالتالي لا يجد سببا لنقله إلى السوق، خاصة وأن العلف أصبح متوفرا تقريبا بالمجان، ما يجعل الكلفة منخفضة والبيع غير مستعجل، وبالتالي فالكساب لا يبيع في هذه الظروف.
وأضاف أن هذه المرحلة تزامنت مع صرف الدعم الموجه للمحافظة على الإناث، ما دفع بعض الكسابة إلى الاحتفاظ بالخروفة وعدم بيعها إلى حين مرور الإحصاء للاستفادة من الدعم، خصوصا في ظل وفرة المرعى.
وخلص إلى أن "حولي العيد" أصبح محل طمع لدى الجميع من أجل بيعه، في حين أن الجزار لم يعد يجد هامش ربح، لأن ثمن الحولي في الأصل مرتفع، وهو ما ساهم في ارتفاع الأسعار. وأضاف أن الوفرة، بلغة الأرقام، موجودة. وحسب تعبيره، نحتاج خلال عيد الأضحى تقريبا إلى 6 ملايين رأس، في حين أننا نتوفر على ضعف هذا العدد.