"AMO" تغطية صحية مع وقف التنفيذ لـ3 أشهر

تيل كيل عربي

 إلياس غاني (صحافي متدرب)

 

تستيقظ وجدان بعد عملية ولادة ناجحة بمصحة خاصة بالدار البيضاء، وبجانبها رضيعها الذي طالما انتظرته. تقضي يوميها الأولين في استقبال المهنئين وتتأمل ملامح طفلها الصغيرة بشغف أم جديدة. لكن هما آخر يجثم على صدرها.

إنها فاتورة الاستشفاء الباهظة، لاسيما أن أسرتها لا تتوفر على تغطية صحية تمكنها من تحملها. تندم وجدان على اختيارها مصحة خاصة، ثم تتذكر أن دافع اختيارها كان هو "البريستيج"، فضلا عن رداءة الخدمات الصحية المقدمة بالمستشفى العمومي.

في محاولة منها للتدارك، تسارع إلى التسجيل في نظام التأمين الإجباري عن المرض AMO، لكنها فوجئت بأن الاستفادة غير فورية بل تستلزم انتظار ثلاثة أشهر كاملة.

شرط الثلاثة أشهر

زوج وجدان يمارس عملا حرا، وبذلك فهو يُصنف كعامل غير أجير حسب تعريف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

يشترط الصندوق على هذه الفئة انقضاء مدة ثلاثة أشهر من تاريخ التسجيل قبل الاستفادة من التعويض عن المصاريف الصحية.

وخلال هذه المدة، يظل المنخرط ملزما بأداء المصاريف كاملة دون أي حق في التعويض.

هذا الشرط المعروف بـ"فترة الإخضاع"، أو كما يسميه الـصندوق "فترة اختبار"، يضع العديد من الأسر أمام تحد؛ إما دفع تكاليف العلاج كاملة، أو الحرمان من العلاج أساسا.

ويغدو التحدي مأزقا في الحالات المستعجلة كالعمليات الجراحية، أو الأمراض المفاجئة.

التعويض بعد الوفاة

قد يكون التحدي أمام وجدان ماديا فحسب، لكن شرط الأشهر الثلاثة قد يشكل لآخرين حدا بين الحياة والموت.

"الموت"، هي الكلمة التي يتحاشى محمد ذكرها وهو يروي لـ"تيلكيل عربي"حالة صهره المصاب بسرطان المعدة والكبد والعظام.

لكنه يتماسك ويقول: "كل شيء وارد"، فصهره في مرحلة متقدمة من المرض ولم يبدأ حصص العلاج إلا في رمضان الماضي.

لو كان صهره، البالغ من العمر 45 سنة، يتوفر على تغطية صحية "لتلقى علاجه في مصحة خاصة، بمستوى خدمات عال، تساعده على الشفاء"، يقول محمد.

عندما داهمه السرطان، وجد المريض نفسه محروما من التغطية الصحية رغم أنه مسجل فعليا في نظام التغطية الصحية الإجبارية. بسبب توقفه عن أداء الاشتراكات لظروف خاصة. وكونه مسجلا كفلاح في السجل الوطني للسكان، فقد ألحقته تلك الصفة الإدارية بفئة العمال غير الأجراء، فتراكمت عليه المستحقات.

تحركت عائلته وسددت سنة كاملة من المتأخرات المتراكمة، لكن القانون يشترط انتظار ثلاثة أشهر، وهي مهلة كافية للسرطان كي يقول كلمة الختام.

انتهى المطاف بصهر محمد بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، ينتظر 15 يوما، حتى يفرغ سرير، ثم علاج بلا اهتمام. حالة تصفها عائلته بـكونها "يرثى لها".

قد يكون صهر محمد أوفر حظا من كثيرين، فهو على الأقل سيخضع للعلاج في مستشفى عمومي، رغم كل الظروف.

عملية مستعجلة بعد ثلاثة أشهر

في زاوية مقهى شعبي بالمحمدية، يجلس علي، بائع متجول، يخيط الأفكار، لعله يخرج بفتوى لـ"ورطته الصحية".

أبلغه الطبيب بضرورة خضوعه لجراحة قلب مفتوح مستعجلة، تبلغ كلفتها 150 ألف درهم.

ومع ذلك، يجلس في المقهى يرتشف فنجان قهوته، كأنه يتحدى تعليمات الطبيب، يتحدى شرايينه التي قد تنفجر في أي لحظة، يتحدى الموت، أو يتظاهر بالهروب من التفكير في كل هذا.

وصف الطبيب العملية بـ"المستعجلة"، لكن لغة الاستعجال لا يفهمها المستشفى العمومي. هناك، "المستعجل" يعني لائحة انتظار. والبديل؟ المصحة الخاصة، لكن مبلغ الـ150 ألفا يساوي مجموع مدخوله مضروبا في سنوات عمره كلها.

هو مسجل حديثا في AMO، فأراد أن يجري العملية في مصحة خاصة ويتكفل الـCNSS بالمصاريف، لكن الصندوق لن يعترف به إلا بعد مرور ثلاثة أشهر. مدة قد يموت خلالها، أو حتى يصل دوره في المستشفى العمومي قبل أن تُرفع عنه صفة "قيد الاختبار" في سجلات الـصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

لماذا يوجد شرط الثلاثة أشهر؟

يفرض الصندوق الوطني للتضامن الاجتماعي فترة الانتظار كآلية تنظيمية لاختبار "ولاء" المستفيد، بهدف الحد من التسجيل المتأخر عند وقوع المرض.

مصدر مسؤول من داخل الصندوق، أوضح لـ"تيلكيل عربي" جدوى فترة الاختبار، بكونها تهدف لحماية نظام التغطية الصحية من العجز المالي الحتمي والانهيار.

فترة الثلاثة أشهر تضمن أن كل منخرط جديد قد ساهم بحد أدنى من الاشتراكات في الصندوق قبل أن يبدأ في الاستفادة منه، مما يخلق نوعا من التوازن بين المداخيل والمصاريف. فالاشتراك الشهري للعامل غير الأجير منخفض نسبيا، بينما تكلفة عملية واحدة قد تعادل اشتراكات 20 سنة.

هي، إذن، آلية دفاعية تمنع أينوع من "التحايل"، وتجبر الأشخاص على الانخراط في النظام وهم في حالة صحية جيدة، كجزء من مبدأ التكافل.

لكن عشرات الحالات التي رصدها "تيلكيل عربي"، كان أصحابها لا يعلمون أصلا بوجود هذا الشرط، وهو ما يعني خللا تواصليا، يقول المتضررون إنهم "لا يتحملون مسؤوليته".

المريض أولا أم التوازن المالي؟

بعين المريض وعائلته، تطرح المسألة إشكالية أخلاقية. فالدستور المغربي يكفل الحق في الصحة، والمرض، يقولون، لن ينتظر التوازن المالي. ولا أحد منهم يبحث عن الإصابة بالسرطان لكي يستفيد من تعويض هو أصلا هزيل. لا يمكن محاكمة النوايا. كما أن التغطية الصحية تعتمد اليوم على السجل الوطني للسكان، وهو تجربة لا تزال حديثة، وتطرح العديد من التحديات في تشغيلها.

هذا فضلا عن أن الغالبية تلجأ إلى التغطية الصحية أساسا لتعويض تكاليف العلاج في المصحات والمستشفيات الخاصة. فلو توفرت مستشفيات عمومية بخدمات ذات جودة عالية، لاتجه إليها المواطنون مباشرة دون الاضطرار إلى اللهاث وراء تعويضات الضمان الاجتماعي. ذلك أن كلفة الاستشفاء العمومي، مهما بلغ حجمها، تبقى في المتناول مقارنة بأسعار القطاع الخاص.

وإلى ذلك الحين يفرض السؤال التالي نفسه بقسوة: هل وُضع قانون "التأمين الإجباري عن المرض" لإنقاذ الناس عند مرضهم، أم لمعاقبتهم على توقيت مرضهم؟