بقلم: يوسف معضور
ماذا يجب أن نأكل؟ وماذا يجب أن نتجنب؟
تعد هذه من أكثر الأسئلة تداولا اليوم. فجأة، ومن دون سابق إنذار، تحول الاهتمام بصحتنا إلى موضوع الساعة، مع انتشار فيديوهات الطبيب المصري ضياء العوضي التي احتلت شاشات هواتفنا الذكية، وأصبحت حديث المقاهي ووسائل النقل العمومي. وبغض النظر عن الاختلاف بين المؤيدين والمعارضين لنظامه الغذائي، تبقى المواضيع المرتبطة بالصحة الغذائية والهضم من أكثر القضايا القادرة على إثارة اهتمام الناس واستنفار فضولهم الجماعي.
ولو خرج علينا، مثلا، أحدهم بدعوة مختلفة تماما، يدعونا فيها إلى اتباع “حمية أخلاقية” ضد الفساد بكل أشكاله، حمية تخفض نسب الفساد السياسي في المجتمع، والاحتكار الاقتصادي، والريع، واستغلال النفوذ، والغش، فنقاطع هذه السلوكيات ولا نطبع معها، كما بدأ كثير منا يقاطع أكل البيض، ويخاف من الدجاج، ويبتعد عن الخضروات والدهون وكل تلك “الممنوعات” التي جاء بها نظام “الطيبات”، فهل كنا سنتفاعل مع تلك “الحمية الأخلاقية” بالاهتمام نفسه؟
للأسف، يمكننا إخضاع أجسادنا لنظام غذائي صارم، نحرص فيه على انتقاء أكل صحي خال من الدهون والسعرات الحرارية، لكننا، في المقابل، نتساهل بشكل كبير مع سلوكياتنا اليومية، حينها، لا أحد ينتبه إلى ارتفاع نسب “التهركاويت” في طرقاتنا وحدائقنا وأسواقنا وإداراتنا العمومية، ولا إلى نسب “كوليسترول الوعي” في شوارعنا وأزقتنا.
والمقلق في الأمر أن الدعوة إلى اتباع الحميات الغذائية تجد دائما مبرراتها العلمية والطبية، وينخرط فيها الجميع، بينما تواجه الدعوات إلى إصلاح منظومة القيم الاجتماعية، التي ينادي بها علماء الدين والتربية والاجتماع وعلماء النفس في أكثر من مناسبة، كثيرا من السخرية والتجاهل، وكأن الحفاظ على الجسم من الأمراض أهم من حماية منظومة القيم من سرطان “الفساد”، وسكري “الأنانية”، و”كوليسترول” الريع، وارتفاع ضغط “المعيشة”.
فأفراد المجتمع لا يمرضون ويصحون فقط بما يأكلونه، بل أيضا بما يمارسونه من سلوك يومي، سليم أو فاسد، يتحول تدريجيا إلى سلوك جماعي مدمر.
لذلك، نحن بحاجة إلى حمية تطهر سلوكنا، وتخفف من الأمراض الاجتماعية والنفسية المتفشية، التي لا تظهر في مجهر تحاليل المختبرات الطبية، لكنها تتجلى بوضوح في تفاصيل حياتنا اليومية.