دعت الدكتورة في علم الاجتماع، كلثوم اقس، إلى ضرورة عدم اختزال السلم المجتمعي في مجرد "غياب الحرب" أو "توقف الرصاص"، وبدلا من ذلك، حثت على تبني مقاربة سوسيولوجية تعتبر السلم "بناء متكاملا" يبحث في آليات التماسك الاجتماعي، ويستهدف الجذور الهيكلية للنزاعات.
جاء ذلك في مداخلتها ضمن المائدة المستديرة التي نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط حول موضوع "سوسيولوجيا السلم المجتمعي: نحو نموذج حضري للحوار والتعايش في زمن الأزمات"، المنعقدة ضمن الأنشطة الثقافية للمعرض الدولي للنشر والكتاب (دورة 2026).
وميزت الأستاذة الجامعية بين مستويين من السلام، "السلم السلبي" الذي يكتفي بغياب العنف الجسدي المباشر، و"السلم الإيجابي" الذي يمثل الغاية الأسمى، حيث تسود العدالة الاجتماعية والانسجام وتكافؤ الفرص في المجالات الحيوية كالتعليم والصحة. وأوضحت أن هذا النوع من السلم هو "سيرورة دينامية مستمرة" تتطلب يقظة يومية وإعادة صياغة مستمرة للعلاقات الإنسانية.
واستحضرت أستاذة سوسيولوجيا التربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية "العمق الحضاري المغربي" كنموذج رائد في تدبير التعايش، مشيرة إلى أن المغرب يمتلك أنظمة اجتماعية تقليدية متجذرة مثل نظام "أكدال" لتدبير الموارد بشكل تشاركي، ونظام "تويزي" كفعل يومي ملموس للتعاون المجتمعي. واعتبرت أن هذه المؤسسات المحلية، مثل "أنفلاس" و"أمغار" و"أكوار"، تمثل آليات سلمية راقية حلت النزاعات تاريخيا عبر التشاور والوساطة بعيدا عن لغة الإكراه.
وحددت أقس في مداخلتها ثلاثة مستويات أساسية للاشتغال على مشروع السلم المجتمعي، تتمثل في بناء السلم عبر معالجة الجذور الاجتماعية والثقافية للنزاعات قبل اندلاعها، ثم صنع السلم من خلال الاعتماد على التفاوض والوساطة لفض النزاعات القائمة، وأخيرا حفظ السلم واستعادته عبر ترسيخ الاستقرار في مراحل ما بعد النزاع، بما يتيح إعادة بناء النسيج الاجتماعي على أسس من العدل والإنصاف.
وأوردت كلثوم أقس أن السلم ليس مجرد فكرة طوباوية، بل هو مشروع مجتمعي تشاركي يسهم فيه الجميع، من الدولة والمؤسسات إلى المجتمع المدني والإعلام، بهدف بناء إنسان قادر على الاعتراف بالآخر المختلف والعيش معه في أمان وتناغم.
هويات متداخلة
أوضحت الدكتورة عائشة حليم أن السلم المجتمعي ليس مفهوما طارئا أو جديدا، بل هو مفهوم مركزي واكب التأسيس الأول للسوسيولوجيا مع الرواد الكلاسيكيين، فمنذ البداية ارتبط السلم عند بارسنز بنظرية التوازن والنسق الاجتماعي، وعند إيميل دوركايم بأشكال التضامن الاجتماعي التي تضمن استمرارية المجتمع، وصولا إلى ماكس فيبر الذي ربطه بمفاهيم التنظيم والعقلنة.
وقاربت الدكتورة حليم الموضوع من زاوية ما أسمته ب"عصر اللايقين" والمنعطف الرقمي، مؤكدة أننا نعيش في عالم يختلف جذريا عن الماضي بسبب الثورة التكنولوجية التي غيرت بشكل عميق علاقة الإنسان بالزمن والمجال وبالآخر. ففي هذا العصر، لم تعد المفاهيم ثابتة؛ حيث انتقلنا من "المجال الواقعي" إلى "المجال الافتراضي" المتعدد، وأصبح الزمن منفلتا من المعايير التقليدية، مما أدى إلى بروز هويات متداخلة تتراوح بين الهوية المحلية وصولا إلى ما وصفته ب"المواطنة الكونية".
واعتبرت أن هذا التحول الرقمي أفرز مطالب جديدة للسلم تتجاوز مجرد غياب النزاعات، لتشمل أبعادا أمنية حديثة كالأمن النفسي والأمن البيئي والأمن العلمي. وأشارت إلى أن السلم اليوم يختبر مدى قدرتنا على قبول الاختلاف في زمن لم تعد فيه الحدود الجغرافية عائقا أمام تشكل شبكات قرابة متعددة تتجاوز الانتماء القبلي أو الوطني الضيق.
وشددت الدكتورة حليم على أن "التواصل" هو "الطريق الملكي" والوحيد للقضاء على العنف والاعتراف بالآخر المختلف؛ فالآخر ليس بالضرورة عدوا، بل هو "ذات" تساهم في إغناء ذواتنا. واستندت في تحليلها إلى أن العنف غالبا ما يكون نتيجة لغياب هذا التواصل، وهو ما يعطي العنان للنزعات الأنانية التي تغذيها تنشئة اجتماعية مغلقة.
وحذرت الدكتورة حليم من أن غياب الحوار داخل المؤسسات الجوهرية كالأسرة والمدرسة وفضاء العمل هو المنبع الأساسي للتصادم والعنف. واعتبرت أن كسر "حاجز المجهولية" عبر التواصل الفعال هو الكفيل بتحويل الاختلاف من مصدر للنزاع إلى "رحمة مجتمعية" وإثراء متبادل، مستحضرة النموذج المغربي التاريخي كدليل على إمكانية بناء سلم قائم على ضوابط ثقافية تحترم الغيرية.
إنتاج "عقول فارغة"
من جهته، اعتبر الدكتور محمد الخالقي أن السلم الاجتماعي هو الموضوع الجوهري لعلم الاجتماع، حيث يتجسد عمليا في مفهوم "الرابط الاجتماعي".
وأكد عبد الخالقي أن السلم لا يعني بأي حال من الأحوال غياب الصراع، إذ إن الأزمات والتوترات جزء طبيعي من حركية المجتمعات، بل يكمن السلم في قدرة المؤسسات —بدءا من الأسرة وصولا إلى الدولة— على "كبح جماح العنف الفردي" وقوننته ليصبح "عنفا مشروعا" ومقبولا اجتماعيا يضمن استقرار النسق.
وفي تحليله للخصوصية المغربية، استند الدكتور عبد الخالقي إلى مفهوم "المجتمع المركب" للسوسيولوجي بول باسكون، موضحا أن قوة النموذج المغربي تكمن في قدرته التاريخية على صهر التعدد اللغوي والإثني والمعتقدي (العربي، الأمازيغي، الصحراوي، والأندلسي) ضمن هوية جامعة.
ومع ذلك، أطلق الباحث تحذيرا نقديا تجاه "المنعطف الرقمي"، معتبرا أن التهافت المفرط على الرقمنة والذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى "تسطيح الفكر" وإنتاج "عقول فارغة"، مما يهدد جوهر التواصل البشري والمتانة التي يقوم عليها الرابط الاجتماعي.