إيبولا يعود إلى الواجهة.. حمضي يوضح لـ"تيلكيل عربي" طبيعة الخطر الراهن

خديجة قدوري

 تتزايد المخاوف من احتمال توسع انتشار فيروس إيبولا، خاصة في ظل طبيعة بعض السلالات الحالية نظرا لغياب لقاح أو علاج محدد لها، ما يجعل مسألة الاحتواء أكثر تعقيدا وتستدعي درجة عالية من اليقظة والتنسيق الدولي.

وتبرز أهمية التدابير الوقائية المبكرة كعنصر حاسم في الحد من أي انتقال محتمل للفيروس خارج بؤره الحالية.

وفي هذا السياق، أعلنت منظمة الصحة العالمية، اليوم الأحد، أن تفشي فيروس "إيبولا" في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا يعد حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا، مؤكدة في الوقت ذاته أن الوضع لا يرتقي إلى مستوى الجائحة العالمية.

وأوضحت المنظمة، في بيان لها، أن التفشي الحالي ناجم عن سلالة "بونديبوجيو" من الفيروس، مشيرة إلى تسجيل 80 حالة وفاة يشتبه في ارتباطها بالمرض، إضافة إلى ثماني حالات مؤكدة مخبريا و246 حالة اشتباه بالإصابة حتى يوم أمس السبت في مقاطعة إيتوري شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية.

بين الاحتواء والانتشار.. إيبولا يرفع منسوب القلق الصحي عالميا

في هذا الصدد، كشف الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، أن إعلان منظمة الصحة العالمية اليوم حالة طوارئ صحية عامة على المستوى العالمي، أي ما يعرف بـ "حالة طوارئ صحية ذات بعد كوني"، يفيد بأن فيروس إيبولا لا يشكل تهديدا محصورا في مناطق انتشاره الحالية، بل يطرح خطرا حقيقيا بامتداده إلى دول أخرى إذا لم تتخذ الإجراءات الوقائية اللازمة في الوقت المناسب.

وأوضح حمضي، في تصريح ل"تيلكيل عربي"، أن هذا الإعلان لا يعني وجود جائحة وشيكة، بل هو تحذير من قابلية الفيروس للانتشار خارج بؤره الحالية في حال عدم احتوائه محليا. وهو، في هذا السياق، دعوة صريحة إلى مختلف دول العالم من أجل تعزيز التعاون وتوحيد الجهود، بهدف محاصرته في أماكن تواجده والحد من انتشاره إلى مناطق جديدة.

وأبرز الباحث في معرض حديثه أن إيبولا يعد مرضا فيروسيا خطيرا، إذ تتراوح نسبة الوفيات فيه بين 25 و90 في المائة، مع معدل عام يناهز 50 في المائة بحسب السلالات المعنية ومستوى جاهزية المنظومة الصحية، مبرزا أنه عندما يتم التكفل بالحالات المصابة بشكل سريع وفعال يمكن أن تنخفض نسبة الوفيات إلى حدود 25 في المائة، في حين قد ترتفع إلى حوالي 90 في المائة في حال ضعف البنية التحتية الصحية أو غياب التكفل الطبي المناسب.

من الغابة إلى الإنسان.. كيف ينتقل إيبولا وما هي أعراضه القاتلة؟

كشف حمضي أن هذا المرض تظهر أعراضه بشكل مفاجئ، إذ تبدأ بحمى مرتفعة، يعقبها إسهال وقيء ونزيف وطفح جلدي، بينما تسبق هذه المرحلة الحادة أعراض أولية تتمثل في الحمى وآلام الرأس والمفاصل والتهاب الحلق، ثم إذا لم يتم التكفل بالحالة في الوقت المناسب، قد تتدهور وضعية المصاب وتصل إلى الوفاة.

وأشار إلى أن هذا الفيروس ينتقل في الأصل من الحيوان إلى الإنسان، وتعد الخفافيش من أبرز الحاضنات الطبيعية له، إذ يمكنها نقل العدوى إلى حيوانات أخرى تعيش في الغابة مثل القردة وغيرها. ويتعرض الإنسان للإصابة عندما يستهلك لحم حيوانات مصابة أو عند ملامسة دمها أو سوائلها الجسدية.

وأوضح أن الخفافيش، التي تتغذى عادة على الفواكه، قد تترك آثار الفيروس على الثمار، ما يؤدي إلى انتقاله إلى حيوانات أخرى تتغذى عليها، فتصاب بالمرض. وعند احتكاك الإنسان بهذه الحيوانات المصابة، سواء عبر لعابها أو برازها أو عند تناول لحمها غير المطهو جيدا، يمكن أن ينتقل الفيروس إليه ويصاب بالعدوى.

بين العدوى والدفن.. كيف يواصل إيبولا تهديده في موجاته المتكررة؟

ولفت حمضي الانتباه إلى أن الفيروس لا ينتقل عبر الهواء، وإنما من خلال ملامسة سوائل جسم المصاب مثل القيء أو البول أو البراز. وغالبا ما يحدث هذا أثناء تكفل الأسرة بالمريض أو خلال مرحلة تفاقم حالته، ويكون الخطر أكبر في فترة الوفاة والدفن، حيث تكون الحمولة الفيروسية في أعلى مستوياتها، ما يجعل جسم المتوفى شديد العدوى.

وأوضح أن أي احتكاك مباشر بجثمان المصاب أو التعامل غير الآمن مع سوائله أو ملابسه قد يشكل مصدرا خطيرا للعدوى. لذلك، تعد إجراءات الدفن الصحي تحت إشراف السلطات الصحية من بين التدابير الأساسية للحد من انتشار الفيروس ومنع انتقاله إلى أشخاص آخرين.

وأفاد أن موجة الوباء المسجلة حاليا في جمهورية الكونغو الديمقراطية ليست الأولى من نوعها، إذ تعد السابعة عشرة التي تشهدها البلاد، مشيرا إلى أن آخر موجة امتدت من ماي 2025 إلى دجنبر 2025. وأضاف أن هذا المرض عرف موجات وبائية كبرى في فترات سابقة، من أبرزها موجة غرب إفريقيا سنة 2013 التي خلفت أكثر من 11 ألف وفاة، إلى جانب موجة أخرى في جمهورية الكونغو الديمقراطية سنة 2018.

الكونغو تحت ضغط إيبولا.. عوامل جغرافية وأمنية وسلالة بلا علاج

في هذا الإطار، قال حمضي إن فيروس إيبولا تم اكتشافه سنة 1967 قرب نهر إيبولا، وإن له عدة سلالات، غير أن ثلاث سلالات رئيسية هي المسؤولة عن إصابات الإنسان، وهي سلالة زائير وسلالة السودان وسلالة بونديبوجو، مبرزا أن سلالة زائير تتوفر على لقاحات وعلاجات تساهم في علاج المرضى والحد من انتشار الوباء، في حين أن السلالة المسجلة حاليا في هذه الموجة ليست من سلالة زائير، ولا يتوفر لها إلى حدود الساعة لقاح أو علاج محدد، وهو ما يجعل الوضع أكثر خطورة ويزيد من صعوبة احتوائه.

واستطرد قائلا إن هناك ثلاثة عوامل رئيسية تفاقم خطورة الوضع، أولها أن الإصابات تتمركز في الكونغو التي تعد منطقة منجمية نشطة ويشتغل فيها عدد كبير من السكان مع تنقلات وسفر مستمر، وثانيها أن المنطقة تعيش على وقع صراع مسلح يجعل عمليات التشخيص ومحاصرة المرض أكثر صعوبة، أما العامل الثالث فيتمثل في كون السلالة المتداولة حاليا لا تتوفر على لقاح أو علاج محدد إلى حدود الساعة.

من الكونغو إلى العالم.. دعوات لتعزيز التعاون الصحي لكبح إيبولا

ولفت الانتباه إلى أنه يتعين على الدول المعنية اليوم محاصرة المرض عبر عزل الحالات المصابة وتقديم التكفل الطبي اللازم بها، من أجل الحد من انتشاره، مع تعزيز إجراءات النظافة وتأمين عمليات دفن الموتى وفق شروط صحية صارمة. وأضاف أنه بالنسبة للمغرب، فالوضع لا يطرح إشكالا خاصا في الوقت الراهن، غير أن أي فيروسا من هذا النوع، رغم أنه لا ينتقل عبر الهواء، قد يظل قابلا للانتقال في ظروف معينة، ما يستدعي اليقظة واتخاذ الاحتياطات الضرورية، خاصة في المرحلة الأولى.

كما دعا إلى تعزيز التعاون مع الدول المصابة، وعلى رأسها جمهورية الكونغو الديمقراطية، من خلال تقديم الدعم المالي واللوجستي، بما يساهم في تمكين السكان من البقاء في أماكنهم وتأمين سبل عيشهم خلال فترة احتواء المرض، بما يحد من حركة التنقل ويساعد على تطويق الوباء.

وأضاف أن فترة حضانة المرض تمتد عادة من يومين إلى 21 يوما قبل ظهور الأعراض، غير أن متوسطها يتراوح بين 5 و10 أيام. كما أبرز نقطة مهمة تتعلق بانتقال العدوى، مفادها أن الإنسان لا يصبح ناقلا للفيروس إلا بعد بدء ظهور الأعراض، حيث يكون الفيروس موجودا في سوائل جسمه في تلك المرحلة، بينما لا يعد المصاب قبل ظهور الأعراض  ناقلا للعدوى.

إيبولا.. سلالة بلا لقاح تدفع نحو تشديد المراقبة على الحدود المغربية

وفي سياق متصل، أوضح أن الخطر الخاص بالمغرب يتمثل أساسا في مطار الدار البيضاء باعتباره محورا جويا يربط إفريقيا جنوب الصحراء بباقي دول العالم، حيث يمر عبره المسافرون في اتجاهين، سواء القادمون من دول إفريقيا جنوب الصحراء أو المتجهون إليها عبر رحلات ترانزيت، ما يجعل منه نقطة حساسة من حيث احتمال انتقال العدوى.

وأضاف أن العامل الثاني الذي يزيد من خطورة الوضع هو أن السلالة الحالية لا تتوفر على لقاح أو علاج، وهو ما يفرض ضرورة عدم منح الفيروس أي فرصة للدخول أو الانتشار. لذلك، يتعين، حسب قوله، تفعيل منظومة اليقظة الصحية وتعزيزها من طرف وزارة الصحة والقطاعات الحكومية المعنية، إلى جانب إعادة تفعيل منظومة التصدي للفيروس بشكل أقوى.

كما شدد على ضرورة تشديد المراقبة على مستوى الحدود، عبر اعتماد الفحص الحراري للمسافرين، وإعادة تفعيل الاستمارات الصحية من أجل تتبع الأعراض والمسارات السفرية خلال 21 يوما السابقة، مع تحديد البلدان التي مروا منها. ودعا كذلك إلى تعبئة مهنيي الصحة وتعزيز وعي المختبرات البيولوجية بهذا النوع من التحاليل، مع الاستعداد المسبق لإجراءات العزل في حال تسجيل حالات مشتبه فيها، وفق بروتوكولات واضحة ومحددة سلفا، بدل الارتجال عند ظهور أي حالة.

وأكد في السياق ذاته على أهمية إعداد وتوضيح مساطر العزل داخل الخطوط الملكية المغربية وتمكين الأطر من التكوين اللازم لتنفيذها بشكل دقيق، مشددا على أن هذه التدابير ضرورية رغم أن الخطر يظل ضعيفا في الوقت الراهن، إلا أن الاستعداد المسبق يظل أساسيا.