مدينة الرعاية الصحية الذكية بـUM6P.. أي نموذج للطب الجامعي المستقبلي؟

خديجة قدوري

ارتقى مشروع "مدينة الرعاية الصحية الذكية" (Smart Health Care City) بمدينة ابن جرير إلى مرحلة متقدمة من التطوير، تجسد في توسيع العرض العلاجي داخل المستشفى الجامعي التابع لكلية العلوم الطبية، وتعزيز القدرات الاستشفائية، وتحسين خدمات التكفل الصحي. كما تشمل هذه الدينامية دعم التكوين الطبي، وتكثيف البحث العلمي، وترسيخ الابتكار السريري، في أفق إرساء نموذج صحي جامعي متكامل ومندمج.

ويأتي هذا التطور ضمن الورش الذي تقوده جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية لإعادة هيكلة منظومتها الصحية داخل المدينة، وذلك عقب مرحلة سابقة من التفعيل التدريجي ورفع الجاهزية التشغيلية.

المستشفى الجامعي لجامعة محمد السادس: منظومة استشفائية متقدمة بمعايير دولية

في نقلة نوعية على مستوى البنية الاستشفائية والتقنية، يرسخ المستشفى الجامعي موقعه كقطب صحي جامعي متقدم من خلال تطوير منظومة علاجية متكاملة ترتقي إلى معايير دولية.

وسيتوفر المستشفى على طاقة استيعابية تصل إلى 400 سرير عند التشغيل الكامل، إلى جانب منصة تكنولوجية متطورة تضم جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي (3 Tesla)، ووحدة جراحية متقدمة للجراحة طفيفة التوغل والجراحة الروبوتية، ومنصة متكاملة للتحاليل البيولوجية الطبية، ومصلحة متخصصة في الوراثة الطبية والجينوم، إضافة إلى صيدلية استشفائية مؤتمتة بالكامل تعتمد نظام تشغيل ذكي.

ويغطي العرض العلاجي الحالي مجموعة من التخصصات الأساسية والمتقدمة، من بينها طب المستعجلات، والطب الباطني، والجراحة العامة، وأمراض النساء والتوليد، وأمراض الجهاز التنفسي والهضمي، وأمراض القلب التداخلية، والأمراض المعدية، فضلاً عن تخصصات طبية أخرى في طور التوسع والتطوير.

عرض صحي متقدم واستجابة للتحولات الديمغرافية والوبائية

 يضم المستشفى الجامعي بنيتين صحيتين ذات قيمة مضافة في سياق التحولات الصحية الراهنة. تتمثل الأولى في مركز الإعادة التأهيل والترويض يشمل خدمات العلاج بالأوكسجين عالي الضغط، إضافة إلى وحدة مخصصة لإعادة تأهيل الرياضيين المحترفين. أما الثانية فهي مركز الطب الشيخوخة يعنى بالتكفل بالأمراض المرتبطة بالتقدم في السن وفقدان الاستقلالية.

يتجاوز المستشفى الجامعي كونه مؤسسة علاجية تقليدية، ليشكل ركيزة أساسية ضمن تصور جديد للمنظومة الصحية يقوم على التكامل بين الرعاية والخبرة الأكاديمية والبحث العلمي، بما يعزز دوره كفاعل محوري في إعادة تشكيل العرض الصحي على المستوى الجهوي والوطني.

ولا يقتصر دور المستشفى الجامعي على تقديم الخدمات العلاجية، بل يندرج ضمن رؤية أوسع لمواكبة تطور الأنظمة الصحية بالمغرب وإفريقيا. فمدينة ابن جرير، وإقليم الرحامنة بشكل عام. يشهدان طلباً متزايداً على الخدمات الصحية المتخصصة التي ظلت لسنوات متمركزة في المدن الكبرى. كما أن التحولات الوبائية الراهنة، من ارتفاع الأمراض المزمنة، والشيخوخة الديمغرافية، والحاجة المتزايدة إلى خدمات إعادة التأهيل والمتابعة طويلة الأمد. تفرض اعتماد نماذج صحية أكثر تكاملاً تتمحور حول المسار العلاجي الشامل للمريض. وقد صمم المستشفى الجامعي للجامعة للاستجابة لهذه التحديات الترابية والأكاديمية والعلمية في آن واحد.

تكامل أكاديمي–استشفائي ومنظومة بحث سريري متقدمة

في هذا الإطار، يقوم المستشفى الجامعي على مقاربة أكاديمية–استشفائية متكاملة تجعل من التكوين الطبي والبحث العلمي جزءا لا يتجزأ من الوظيفة العلاجية.

ويرتبط المستشفى الجامعي بكلية العلوم الطبية التابعة للجامعة، ضمن نموذج متكامل يجمع بين التكوين الطبي والممارسة السريرية والبحث العلمي. ويستفيد طلبة الطب والصيدلة والتمريض والعلاج الطبيعي من انخراط مبكر داخل المصالح الاستشفائية، مدعوم بالمحاكاة الطبية والتدريب على البحث العلمي. وترتكز هذه الدينامية على منظومة تجمع الأطباء والباحثين والصيادلة والمهندسين وطلبة الدكتوراه حول مقاربة للبحث الترجمي مرتبطة بالواقع الميداني، مع إمكانية متابعة مسارات أكاديمية مزدوجة في الطب والعلوم.

وفي إطار توسعه المستقبلي، يعتزم المستشفى الجامعي التابع للجامعة إحداث مركز الأبحاث السريرية يعنى بتنظيم البحث السريري والتجارب العلاجية، خاصة في مجالات علوم الأعصاب، والأمراض الأيضية، والأمراض المزمنة. ويهدف هذا المشروع إلى تطوير الأبحاث وفق المعايير الدولية، مع تعزيز إدماج المرضى المغاربة والأفارقة ضمن شبكات البحث الطبي الحيوي الدولية. كما يندرج المستشفى ضمن مشروع مدينة الرعاية الصحية الذكية". الذي يجمع في فضاء واحد مستشفى جامعياً، وكلية الطب، وبنيات للبحث العلمي، ومنصات للابتكار، بهدف تعزيز التكامل بين الرعاية الصحية والتكوين، والبحث، والتكنولوجيا الحيوية.

تأهيل الموارد البشرية وتعزيز العرض الصحي بالمغرب وإفريقيا

في سياق تعزيز قدراته التشغيلية وتوسيع موارده البشرية، يواصل المستشفى الجامعي تدعيم بنيته المهنية بكفاءات طبية وشبه طبية وإدارية عالية التأهيل.

ويعمل بالمستشفى الجامعي اليوم نحو 80 طبيبا، وأكثر من 350 إطاراً شبه طبي، إلى جانب كفاءات إدارية وتقنية تواكب التطوير التدريجي لهذه المنصة الاستشفائية الجامعية.

ويندرج هذا المشروع ضمن الدينامية التي يشهدها المغرب في مجالات تعميم الحماية الاجتماعية، وتعزيز السيادة الصحية، وتطوير الرأسمال البشري. ومن خلال هذا التوجه يطمح المستشفى الجامعي التابع لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية إلى الإسهام بشكل مستدام في تعزيز العرض الصحي بالمغرب وإفريقيا، عبر وضع الابتكار العلمي في خدمة الأثر الاجتماعي والتنمية الترابية.

منظومة متكاملة بين التكوين والبحث والابتكار والرعاية المتقدمة

في سياق تطوير نموذج صحي متكامل يجمع بين الأبعاد الأكاديمية والعلمية والتطبيقية، يشكل مركز “مدينة الرعاية الصحية الذكية” ركيزة استراتيجية داخل المنظومة الصحية لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية.

يجسد مركز "مدينة الرعاية الصحية الذكية" رؤية جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية في مجال الصحة، من خلال بناء منظومة متكاملة تلتقي فيها التكوين والبحث والابتكار وريادة الأعمال، والرعاية الصحية المواجهة التحديات الصحية الكبرى بالمغرب والقارة الإفريقية.

وتضم هذه المنظومة عدة مكونات متكاملة، من بينها كلية العلوم الطبية و UMP Hospitals، إضافة إلى قطب للتكنولوجيا الحيوية وحاضنة للمقاولات الناشئة المتخصصة في علوم الحياة والتكنولوجيا الحيوية والصحة الرقمية. وتعزز هذه المقاربة التكاملية التفاعل بين التميز الأكاديمي والبحث التطبيقي والابتكار التكنولوجي والرعاية الطبية.

ومن خلال بنيات حديثة، ومنصات تكنولوجية متطورة، وبيئة محفزة على التعاون، تسعى “مدينة الرعاية الصحية الذكية” إلى تطوير حلول صحية مبتكرة متاحة ومستدامة تضع الإنسان والعلم والأثر في صلب نموذجها التنموي.

في إطار هذا التصور الشامل للمنظومة الصحية والأكاديمية، تندمج كلية العلوم الطبية ضمن رؤية تهدف إلى إعادة تعريف تكوين مهنيي الصحة وربطه بالبحث والابتكار والممارسة السريرية.

تتموقع كلية العلوم الطبية في قلب المنظومة الصحية لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، باعتبارها جزءاً من نموذج متكامل يجمع بين التكوين والبحث والعلاج والابتكار، بهدف الاستجابة لتحديات الأنظمة الصحية بالمغرب وإفريقيا وعلى الصعيد الدولي.

وتعمل الكلية على تكوين مهنيي الصحة المستقبليين من خلال برامج أكاديمية متقدمة مرتبطة بالبحث العلمي ومتفاعلة مع بيئات سريرية حقيقية، بما يتيح للطلبة تطوير كفاءات علمية ومهنية متقدمة وفهماً عملياً لقضايا التخصصات الصحية والابتكار في مجال الصحة. كما تستفيد الكلية من بيئة جامعية ذات بعد دولي تشجع على التعلم التطبيقي والبحث متعدد التخصصات.

للإشارة ومنذ المراحل الأولى لانطلاق نشاطه، استقبل المستشفى الجامعي أكثر من 10 آلاف مريض، من خلال الاستشارات الطبية، والاستشفاء، والتدخلات العلاجية والجراحية. كما ساهمت هذه المرحلة التأسيسية في إرساء البروتوكولات السريرية، وتنظيم مسارات المرضى، وتعزيز كفاءات الأطر الطبية وشبه الطبية، وفق معايير دقيقة ترتكز على جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى