"الحولي" بضغطة زر.. هل تنهي تطبيقات التوصيل "الرحبة"؟

تيل كيل عربي

إلياس غاني (صحافي متدرب)

لم تعد رائحة الصوف المختلطة بالتبن والغبار، ولا أصوات المساومات الحادة بين الباعة والمشترين، هي المؤشرات الوحيدة لاقتراب عيد الأضحى. فمن منزله وسط الدار البيضاء، يجلس جمال، طبيب أسنان، يمرر إصبعه على شاشة هاتفه، يتصفح واجهة أحد تطبيقات التوصيل لاختيار أضحية العيد. ببضع نقرات حدد وزن الخروف، ثمنه، وموعد توصيله إلى باب منزله.

على الضفة الأخرى، وفي إحدى الضيعات المترامية على أطراف الدار البيضاء، يستقبل عبد العالي طلبات الزبناء عبر هاتفه، ليشرع وفريقه في تجهيز الأضاحي، استعدادا لشحنها نحو أصحابها.

فبينما كانت "الرحبة" لقرون مساحة للتفاوض المباشر، تحاول التكنولوجيا اليوم اختصار هذا في شاشة هاتف. هنا، هل هو فقط تغير في وسيلة الشراء، أم تحول في بنية الطقوس الاجتماعية المغربية في ظل زحف الرقمنة؟

من الطقس إلى اللوجستيك

مشهد جمال وعبد العالي، كان يبدو ضربا من الخيال قبل سنوات، على الأقل، مع ما وثقته الباحثة كاريسا سو بريتشارد في دراستها عام 2011 داخل أزقة المدينة العتيقة بالرباط، حيث كانت طقوس العيد تبدأ بصخب مادي ملموس، أكباش تنقل في صناديق السيارات أو تطوق بأذرع الرجال فوق الدراجات النارية.

اليوم، تبرز الرقمنة في أضحية العيد كنموذج استهلاكي حديث يهدف إلى اختزال تعقيدات السوق في خدمة لوجستية. ففي مدن مثل الدار البيضاء، دار بوعزة، وبوسكورة، دخلت على الخط إحدى كبريات تطبيقات التوصيل متعددة الخدمات، غلوفو، في شراكات تجارية تتيح تصفح الأغنام وشحنها. وبالتوازي تحولت ضيعات لتقديم هذه الخدمة، وصارت تدير عمليات البيع والشحن بشكل مباشر دون حضور الزبون.

وبات بإمكان الزبون، سواء عبر واجهة تطبيق التوصيل الشهير أو من خلال المنصات الرقمية لتلك الضيعات، اختيار أضحيته بناء على صور وفيديوهات، مع تحديد الرقم التسلسلي للحيوان، وبرمجة موعد التوصيل إلى باب منزله.

ينقل هذا التحول الأضحية من كائن حي يتم فحصه باللمس والمعاينة، إلى سلعة معروضة في "كتالوج" رقمي.

المدينة الرقمية

من منظور قريب للسوسيولوجي محمد مشتيوي، هذا التحول ليس مجرد تسهيل تقني، بل هو إعادة صياغة للعلاقة مع الفضاء الحضري. "فالمجتمع المغربي ينتقل اليوم نحو هويات هجينة تجمع بين العناصر التقليدية والمنطق الرقمي العالمي."

يبدو أن شراء الأضحية عبر التطبيقات يعكس انتقال العيد من طقس تضامني واجتماعي إلى خدمة لوجستية. يرى مشتيوي أن "التكنولوجيا تدفع نحو الفردانية المفرطة، حيث يتم تقليص مساحة الاحتكاك البشري إلى أدنى مستوياتها، مما يقصي الجانب العاطفي والاحتفالي للطقس لصالح الجانب الوظيفي البحت".

السخرية كمرآة للرفض

بمجرد طرح السؤال حول تجارب شراء الأضحية عبر التطبيقات في مجموعات فيسبوكية، تفجرت ردود فعل تعكس صداما ثقافيا.

التعليقات التي تركها المستخدمون طغت عليها السخرية. علق البعض بتشبيه الأضحية بمنتجات المواقع الصينية: "هل يعمل بـ الطاقة الشمسية؟"، "هل يأتيني مفككا؟"، "لا تنس تصوير فيديو لفتح الصندوق (Unboxing)".

في حين عبر المستخدمون عن رعبهم من الغش.

ومما جاء في التعليقات أن شراء خروف رقمي يعني تسليم زمام الثقة لوسيط غير مرئي. وسأل أحدهم: "في حال كان مريضا، هل سأحضر التطبيق للمحكمة؟".

وربط مستخدمون بين الشراء الرقمي والرهاب الاجتماعي، معتبرين أن "الرجولة" ارتبطت تاريخيا بالقدرة على مواجهة ضجيج السوق. تعليقات مثل: "متعرفو تشريو الحولي باش رجال".

كما برزت قيم التضامن كبديل للخدمة الربحية، حيث عرض العديد من المستخدمين المساعدة المجانية على الغرباء في مصاحبتهم إلى السوق، وفحص الأضحية، لثني من يفكرون في الشراء عبر التطبيق.

لماذا يرفض المغاربة "أضحية التطبيقات"؟

هنا، نجد أنفسنا أمام فجوة في التفسير السوسيولوجي، فبينما قدمت دراسة كاريسا سو بريتشارد (2011) وصفا دقيقا للطقوس المادية التقليدية قبل هيمنة الرقمنة، وبينما تركز بيانات المندوبية السامية للتخطيط على الجوانب الاقتصادية والامتناع عن النحر، لم تُنتج بعد دراسات كافية، تفسر "الانفعال العاطفي" المباشر للمغاربة تجاه رقمنة الأضحية، نظرا لحداثة الظاهرة.

فبالنسبة إلى بعض المغاربة، لا ترتبط قيمة المناسبة فقط بعملية النحر، بل أيضا بطقوس التحضير والتنقل والاحتكاك الاجتماعي المصاحب لها، وهي عناصر قد يينظر إلى اختفائها التدريجي عبر التطبيقات الرقمية، باعتباره تقليصا للحمولة الرمزية والاجتماعية للعيد.

من يشتري رقميا؟

في المقابل، تؤكد الأرقام الرسمية أن سوق الرقمنة له قاعدته. فبيانات المندوبية السامية للتخطيط تكشف أن 12.6% من الأسر المغربية تخلت عن طقس النحر، مع تصاعد واضح في الامتناع لدى الفئات الأكثر تعليما ويسرا حيث تصل النسبة إلى 20.1% للأسر التي يعيلها شخص ذو تعليم عال.

هذه الأرقام تشير إلى أن الطبقة الحضرية الجديدة، التي تعاني من ضيق الوقت وضغوط العمل، قد تكون هي الزبون المستهدف لهذا النوع من الخدمات.

في الوقت الذي تقول فيه نوريا سبيتي، مديرة الحسابات الكبرى والعلامات التجارية لدى غلوفو بالمغرب: "نرغب في تقديم حل عملي ومكمل يتماشى مع أنماط الاستعمال الحالية، عبر منح المستخدمين مزيدا من الوضوح والبساطة والتحكم في تنظيم عملية الشراء".