في سياق تسارع النقاش حول سبل تطوير الذكاء الاصطناعي بالمغرب، طرح سؤال محوري حول الأولويات الكفيلة بتسريع هذه الدينامية، وما إذا كان يمكن تحديد نقطة انطلاق مركزية تجمع بين الجوانب التنظيمية والتقنية والبحثية.

وفي هذا الإطار، تمت الإشارة إلى أن مقاربة تطوير الذكاء الاصطناعي لا يمكن اختزالها في محور واحد، بل تقوم على تعدد “النطاقات” أو المجالات المتداخلة، سواء تعلق الأمر بالتنظيم أو البحث العلمي أو البنية التقنية، مع بروز مبادرات تسعى إلى دمج هذه الأبعاد داخل رؤية موحدة.
جزاري: مشروع المغرب للسيادة في الذكاء الاصطناعي
وفي هذا السياق، اعتبر محمد الحلابي، المكلف بمهمة بوزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، في كلمته، أن نقطة الانطلاق الأساسية لتسريع تطوير الذكاء الاصطناعي في المغرب تكمن في "معاهد جزاري".

وفي ما يتعلق بهذا التصور، أوضح أن معاهد “جزاري” تُعد مشروعًا قائمًا على الابتكار والتميّز، يهدف إلى بناء جسر بين البحث العلمي والسوق، بحيث لا تبقى المخرجات الأكاديمية محصورة داخل المختبرات، بل تتحول إلى حلول تطبيقية قابلة للاستثمار والتطوير.
وفي ما يخص بنية هذا النموذج، أشار إلى أن "جزاري" يصمم على شكل منظومة تشبه “شبكة عصبية”، تتضمن مركزًا رئيسيًا (Jazari Root) تتفرع عنه مكونات متعددة، من بينها حلول موجهة للإدارات العمومية، إضافة إلى مركز بيانات ضخم بسعة 50 ميغاواط، فضلاً عن مدارس متخصصة في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.
وفي هذا الإطار أيضا، أوضح أن هذه المنظومة لا تقتصر على البنية المركزية فقط، بل تشمل فروعًا قطاعية متخصصة تُعرف بـ”جزاري القطاعي”، تمتد إلى مجالات متعددة مثل الصحة، والصناعة، والتكنولوجيا، والطاقة الذكية، والمدن الذكية، بما يسمح بخلق منظومة ابتكار شاملة.
وفي ما يتعلق بطبيعة هذا المشروع، أفاد بأن “جزاري” ليس مجرد مبادرة تقنية، بل هو “كونسورتيوم” يجمع بين الباحثين، والشركات الناشئة، والفاعلين العموميين، والقطاع الصناعي، بهدف إنتاج حلول سيادية مغربية 100%.
وفي هذا السياق، شدد على أن مفهوم السيادة يشكل جوهر هذا المشروع، حيث تمت الإشارة إلى عدة مستويات من السيادة، أولها السيادة على البنية التحتية، من خلال إنشاء مراكز بيانات وطنية قادرة على تخزين البيانات وتدريب النماذج باستخدام قدرات حوسبة متقدمة.
وفي ما يتعلق بالبعد الثاني، أشار إلى ما سماه “سيادة الكفاءات”، حيث يتم التركيز على تطوير الرأسمال البشري المغربي في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، من خلال ربط البحث العلمي بالتطبيق العملي وعدم ترك المشاريع البحثية داخل الجامعات دون استثمار.
وفي هذا الإطار كذلك، تم التأكيد على أهمية ما يسمى “سيادة النماذج الخوارزمية”، أي تمكين الباحثين المغاربة من تطوير نماذجهم الخاصة اعتمادًا على أسس رياضية وخوارزمية، بدل الاكتفاء باستيراد الحلول الجاهزة.
وفي ما يهم البعد الرابع، أشار إلى ضرورة خلق سيادة في مجال الحلول الرقمية، عبر دعم الشركات الناشئة وتمكينها من تطوير منتجات تقنية قادرة على المساهمة في تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي في أفق 2030، مع تعزيز التكامل بين القطاعين العام والخاص.
وبخصوص البعد الأخير، أوضح أن هناك أيضًا ما يمكن تسميته بسيادة النماذج الذكية، حيث تم تقديم مثال على تطور نماذج الذكاء الاصطناعي عالميًا، مع التأكيد على أهمية أن يكون للمغرب قدرته الخاصة على إنتاج واستخدام هذه النماذج بما يضمن الاستقلالية الرقمية دون الانغلاق عن العالم.
وفي هذا السياق، تم التأكيد على أن هذا المشروع يهدف إلى خلق دينامية جديدة داخل المنظومة الرقمية المغربية، تقوم على التفاعل بين الشركات الناشئة، والقطاع الخاص، والمؤسسات العمومية، والبحث العلمي، بما يسمح ببناء منظومة متكاملة قادرة على تسريع الابتكار.
وفي ختام هذا التصور، تمت الإشارة إلى أن المغرب يوجد اليوم في مرحلة "تجميع شروط الإقلاع"، من خلال تقاطع عدة عناصر، من بينها الإرادة السياسية، وتطور البنية التحتية، ووجود كفاءات وطنية، إلى جانب مبادرات مؤسساتية تهدف إلى تحويل هذه المقومات إلى منظومة ذكاء اصطناعي سيادية ومتكاملة.
بين النظرية والتطبيق: تحديات إدماج الخوارزميات في الواقع الرقمي
في سياق النقاش المتواصل حول سبل تحويل الذكاء الاصطناعي من إطار نظري إلى تطبيقات واقعية، كشفت ضحى حبيب الله، الباحثة بالجامعة الأورومتوسطية بفاس، عن إشكالية إدماج الخوارزميات في العالم الحقيقي.

وفي هذا الإطار، أشارت إلى أن عملية تطبيق الخوارزميات في الواقع العملي تواجه مجموعة من التحديات، في مقدمتها “ثقل” بعض النماذج الحسابية، حيث إن هناك خوارزميات تتطلب قدرات معالجة عالية وموارد تقنية كبيرة، وهو ما يفرض الحاجة إلى بنية تحتية رقمية متقدمة.
وفي ما يتعلق بهذا الجانب، أوضحت أن هذا النوع من الخوارزميات يستدعي توفر مراكز بيانات قوية وقدرات حوسبة متطورة، مشيرة إلى أهمية المبادرات الوطنية الرامية إلى تعزيز الاستثمار في مراكز البيانات داخل المغرب، باعتبارها ركيزة أساسية لتطوير البحث العلمي وتطبيقاته.
وفي هذا السياق، تطرقت إلى إشكالية البيانات، مبرزة أن الوصول إلى بيانات منظمة وذات جودة يمثل تحديًا حقيقيًا في المغرب، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على صعوبة تنفيذ الخوارزميات في بيئة واقعية قابلة للاستخدام.
ورغم هذه الإكراهات، أكدت الباحثة أن هذه التحديات لا ينبغي أن تكون عامل تثبيط، بل دافعًا لمواصلة تطوير الحلول، مشيرة إلى أن عدداً من الفرق المشاركة في الهاكاثون الحالي تمكنت بالفعل من تطوير نماذج خوارزمية واعدة.
وفي ما يتعلق بالبعد الزمني للتطور التكنولوجي، أشارت إلى أن العديد من الخوارزميات المستخدمة اليوم تعود جذورها إلى عقود سابقة، إلا أن توفر المعطيات والتطور التقني جعلا من الممكن إعادة تفعيلها وتطبيقها بشكل عملي في الوقت الراهن.
وفي هذا السياق، اعتبرت أن المستقبل سيشهد، على الأرجح، انتقال الخوارزميات التي يتم تطويرها اليوم إلى مرحلة التطبيق الفعلي خلال العقود القادمة، في ظل تطور البيانات والبنية التحتية الرقمية.
وختمت مداخلتها بالتأكيد على أهمية الاستمرار في البحث والتجريب وعدم التوقف أمام الصعوبات الحالية، معتبرة أن تطوير الذكاء الاصطناعي مسار تراكمي يحتاج إلى صبر واستمرارية ورؤية طويلة المدى.
السيادة الرقمية: الأمن والبنية التحتية في قلب الذكاء الاصطناعي
في إطار النقاش حول مفهوم "الذكاء الاصطناعي السيادي" وعلاقته بالبنية التحتية والأمن الرقمي، كشف يوسف مرابط، المدير التقني لنوكيا في منطقة شمال إفريقيا، أن هذا التصور لا يمكن أن يقوم دون أسس صلبة ترتبط بالأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية.

وفي هذا السياق، أوضح أن الحديث عن ذكاء اصطناعي سيادي يفترض بالضرورة توفر ركائز أساسية، في مقدمتها الأمن والبنية التحتية، باعتبارهما شرطين لا غنى عنهما لتمكين أي دولة من الاستفادة الحقيقية من هذه التكنولوجيا.
وفي ما يتعلق بفرص الذكاء الاصطناعي، أشار إلى أن هذه التقنية تتيح إمكانيات كبيرة للدول، خاصة تلك التي تسعى إلى تقليص الفجوة التنموية وتسريع مسار التحول الرقمي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشكل منصة لتسريع الإنجاز وتحقيق قفزات نوعية في عدة مجالات.
وفي المقابل، أزاح المتدخل الستار عن مجموعة من المخاطر المرتبطة بهذه التكنولوجيا، مبرزا أن الذكاء الاصطناعي لا يحمل فقط فرصا، بل أيضا تحديات أمنية متزايدة، من بينها اتساع سطح الهجوم الرقمي وتزايد التهديدات السيبرانية.
وفي هذا الإطار، أشار إلى إشكالية "تسميم البيانات"، التي قد تؤدي إلى انحراف النماذج الذكية وجعلها غير موثوقة، إضافة إلى خطر تسريب المعطيات الحساسة، خصوصًا عند التعامل مع منصات أو نماذج خارجية، وهو ما يشكل تحديًا مباشرًا لمسار السيادة الرقمية.
وفي ما يتعلق بانفتاح أنظمة الذكاء الاصطناعي، أفاد بأن توسع استخدام واجهات البرمجة المفتوحة والوكلاء الذكيين يزيد من تعقيد المنظومة ويخلق نقاط ضعف جديدة، ما يستدعي يقظة أكبر في التعامل مع هذه التقنيات.
وفي هذا السياق، شدد على أن مسألة الأمن يجب أن تدمج بشكل "بنيوي" منذ المراحل الأولى لتصميم أي مشروع مرتبط بالذكاء الاصطناعي، سواء تعلق الأمر بالنماذج السيادية أو المشاريع الناشئة أو المبادرات الابتكارية.
وفي ما يتعلق بالبنية التحتية، أوضح أن تحقيق ذكاء اصطناعي سيادي لا يمكن أن يتم دون امتلاك بنية تحتية وطنية قوية، تشمل مراكز البيانات والتجهيزات وشبكات الاتصال، مؤكدًا أن الاعتماد على بنيات خارجية يتعارض مع مفهوم السيادة الرقمية.
كما أشار إلى أن هذه البنية التحتية يجب أن تكون منسجمة مع طموحات الدول في التموقع إقليميًا، بما يسمح لها بالتحول إلى فاعل رقمي مؤثر على المستوى الإقليمي، وليس فقط مستهلكا للتكنولوجيا.
وختم مداخلته بالتأكيد على أن الجمع بين الأمن السيبراني والبنية التحتية القوية يمثل الشرط الأساسي لبناء ذكاء اصطناعي سيادي قادر على تحقيق التنمية وضمان الاستقلالية الرقمية.
الذكاء الاصطناعي في المغرب.. بين الحوكمة القانونية ومتطلبات السيادة الرقمية
في سياق النقاش المتعلق بالأمن القانوني والحوكمة الرقمية في مشاريع الذكاء الاصطناعي، وبالانتقال إلى البعد التنظيمي المرتبط بحماية المعطيات الشخصية، تم تسليط الضوء على الدور المحوري للهيئات الرقابية في تأطير هذا المجال وضمان احترام القوانين الجاري بها العمل.

كشفت فايزة بركشي، الخبيرة في الذكاء الاصطناعي والتنظيم الرقابي باللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، عن الإطار القانوني المنظم لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في المغرب، مؤكدة أن أي مشروع مرتبط بالذكاء الاصطناعي يظل خاضعًا لمقتضيات القانون 09-08 الذي ينظم هذا المجال ويحدد شروط معالجة البيانات الشخصية.
وفي هذا السياق، أوضحت أن اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) تضطلع بدور أساسي في تأطير استعمال البيانات، باعتبار أن الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل مباشر على معالجة المعطيات الشخصية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي ما يتعلق بمفهوم المعطيات الشخصية، أفادت بأن هذه الأخيرة تشمل كل معلومة من شأنها أن تسمح بتحديد هوية شخص ما بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال الربط بين مجموعة من البيانات المختلفة، مما يجعل مسألة حمايتها أمرا بالغ الأهمية.
وفي هذا الإطار، أشارت إلى أن من أبرز القواعد الأساسية التي يجب احترامها عند تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي تحديد الغاية من معالجة البيانات بشكل واضح ودقيق، بما يضمن عدم استعمالها خارج الأهداف المحددة سلفا.
كما أكدت على ضرورة توفر أساس قانوني لمعالجة المعطيات الشخصية، معتبرة أن أي استخدام للبيانات يجب أن يكون مبررا قانونيا وواضحا، خاصة في التطبيقات التي تعتمد على تحليل سلوك الأفراد أو تقديم خدمات موجهة.
وفي ما يتعلق بمبدأ التناسب، أوضحت أن على مطوري الأنظمة الرقمية الاكتفاء بجمع البيانات الضرورية فقط، دون التوسع في جمع معلومات لا علاقة لها بالغرض المحدد، مثل المعطيات غير الضرورية في بعض التطبيقات التجارية.
كما شددت على أهمية مبدأ الإخبار والحصول على موافقة الأشخاص المعنيين، خصوصا في الحالات التي يتم فيها استخدام البيانات لأغراض التتبع أو التنبؤ أو الإعلانات الموجهة، مؤكدة أن الشفافية تشكل عنصرا أساسيا في حماية المعطيات.
وختمت مداخلتها بالتأكيد على أن احترام هذه القواعد القانونية يمثل شرطا أساسيا لضمان تطوير ذكاء اصطناعي آمن ومسؤول، يحترم حقوق الأفراد ويواكب في الوقت نفسه متطلبات الابتكار الرقمي.
وفي ختام هذا النقاش، يتضح أن مسار تطوير الذكاء الاصطناعي في المغرب يقوم على تقاطع دقيق بين الطموح التكنولوجي ومتطلبات السيادة الرقمية، حيث تبرز أهمية البنية التحتية القوية، والأمن السيبراني، وتأهيل الكفاءات، إلى جانب التأطير القانوني الصارم لحماية المعطيات الشخصية. كما يعكس هذا التفاعل بين مختلف الفاعلين، من مؤسسات عمومية وخبراء وباحثين، إرادة جماعية لبناء منظومة ذكاء اصطناعي مسؤولة، آمنة، وقادرة على مواكبة التحولات العالمية، مع الحفاظ على خصوصية النموذج الوطني.