ملائكة الانتماء الصادق للوطن

أحمد مدياني
أحمد مدياني

عفويون، مرحون، يفيضون نشاطا، وأيضا شرسون في حُب الوطن. رغم آلاف كيلومترات البعد عنه، يسكنهم... لم ولن يتركوه خلفهم، هُم وهُن نتاج مغربي خالص، وإن كان مسقط رأسهم خارج ترابه، تتدفق في عروقهم روح "التمغربيت" الأصيلة.

عن أطفال المهجر، أبناء وبنات الجالية المغربية بتربيتها الوطنية العظيمة أتحدث. ما يربطهم بالوطن ليس مجرد جواز سفر، أو جنسية تُكتسب من جينات ممتدة لقرون، ولا تسقط أبدا.

وليداتنا في المهجر، نجباء في دروس التاريخ والجغرافيا، بالفطرة، يجسدون أنه إن كان أحد أصولك مغربيا، فأنت مغربي، وهؤلاء البراعم الذين تأملت فرط حبهم لأصلهم هنا بالولايات المتحدة الأمريكية، مغاربة ومغربيات بتعابير عن الانتماء تفيض بقدرٍ يملأ المحيط الأطلسي الفاصل بين ضفتي المملكة وأمريكا.

أكيد أن المئات، بل الآلاف من أجدادهم، جداتهم، أمهاتهم، وآبائهم، هاجرن وهاجروا من المغرب لتحسين وضعهم الاقتصادي.

ركبن وركبوا قوارب وطائرات الغربة، بعدما ضاقت بهن وبهم سبل الشغل اللائق والعيش الكريم. ومع ذلك، ومهما بلغت درجات الارتقاء الاجتماعي عندهم، لا يزرعون في صغارهم الحقد تجاه الوطن، بل الحب.

حُبٌ تلخصه بيوت قصيدة شعرية اختلفت المصادر التاريخية حول نسبها، وهي:

"بلادي وإِن جارت علي عزِيزةٌ...

وأهلي وإِن ضنوا علي كِرامُ...

بلادي وإِن هانَت علي عزِيزةٌ ولو أَني أُعرى بِها وأجوعُ".

ومهما تعدد الخلاف في نَسب البيوت الشعرية السابقة، تبقى الحقيقة ها هنا، أن النسب المغربي القُح، متمثلا في وليدات وبنيات المغرب بأرض المهجر، واقعٌ تصادفه أينما حللت وارتحلت.

يغنون، يرقصون، يصيحون، تصدح حناجرهم بالأغاني والهتافات التي تشحن الجماهير بالحماس. جيل صاعد، ارتباطه بأصوله أقوى مما سبق.

بعد طلب الإذن من أمهاتهم وآبائهم، حين يمسكون الميكرو، يتحدثون بعفوية عن منتخب بلادهم، تحس بأنك في حضرة طفلات وأطفال أغصانهم هنا وجذورهم هناك، تمتد عميقة تحت تراب وطنهم.

يجب أن تعيش الأجواء وسطهم. أكرر، إنهم عفويون مرحون يفيضون نشاطا، وشرسون في التعبير عن حبهم لوطنهم.

وأنا أخطُ هذه الكلمات، أستحضر بسخرية مقالات ومحتويات منابر إعلامية، تتحدث عن المنتخب الوطني المغربي، لتسوق على أنه "هجين!"

والواقع الذي لا يرتفع، أن صنابير تمويلها، مصدرها دولٌ تَصبغُ الرياضيين في كافة المجالات بألوان أعلامها، لتضمن القليل من الحضور وسط ساحات التألق والمجد الذي حين تطاله، وإن نادرا جدا، يكون بفضل الجنسية المزيفة وليس الانتماء الأصلي.

أتأمل بكثير من الاستغراب مقالات مؤسسات إعلامية أجنبية، منها الفرنسية، تتحدث عن أصول منتخبنا، وهي تصنع مجدها، منذ زمن غابر، بفضل أبناء وأحفاد المهاجرين الذين بدونهم ما كان ليكون لتلك الدول حضور كما هو الحال عليه اليوم، كانت إفريقيا ستكون حاصدة المجد.

جبناء البروبغندا... نعم. من يحاولون تسويق أن المغرب يتألق في كأس العالم بفضل من هم من ليسوا من صُلبه.

صُلب المغاربة وأرحام المغربيات، بكل فخرٍ، هما اللذان ينتجان تلك الطفلة، وذلك الطفل، اللذين يرفعان معا شعار المملكة خارج الوطن وداخله، يملكان الجنسية، مُقابلها، يسكنهما الأصل.

رحمٌ وصُلبٌ يُنتجان "ملائكة الانتماء الصادق للوطن".