بينما يستعد العالم لطي صفحة المونديال الأخير الذي يقترب من نهايته، يرتفع صوت نقدي يحذر من أن هذه "الاحتفالية العالمية" تحولت بالفعل إلى "آلة إقصاء"، فخلف أضواء الملاعب التي بدأت تخفت وأرقام الأرباح المحققة، برزت أزمة حقوقية وحضرية تمثلت في التغيير الديموغرافي القسري، وما يعرف بـ "التنظيف الاجتماعي".
وتأتي هذه الديناميات في صلب دراسة علمية صدرت حديثا بعنوان "ملعب الإقصاء.. التغيير الديموغرافي الحضري، "التنظيف الاجتماعي" والحق في المدينة في مواجهة مونديال 2026 في المكسيك"، للباحث إريك موان موتا ميراندا Erick Moan Mota Miranda، والتي نشرت في العدد 149 من مجلة "بيرسيو" الإلكترونية الصادرة عن البرنامج الجامعي حقوق الإنسان التابع لجامعة المكسيك الوطنية المستقلة.
وفي الوقت الذي تشير فيه التقديرات الرسمية إلى أن المكسيك ستستقبل حوالي 5.5 مليون سائح إضافي، مما قد يضخ 3 مليارات دولار في الاقتصاد الوطني ويخلق آلاف الوظائف المؤقتة، تكشف الدراسة عن وجه آخر لهذه الوعود الاقتصادية.
واستنادا إلى أطروحات عالم الجغرافيا والنظرية النقدية ديفيد هارفي، يوضح الباحث أن التطوير الحضري المصاحب للمونديال يعمل وفق منطق "التراكم عن طريق نزع الملكية"؛ إذ يتم تسليع الأماكن العامة وتحويل المساكن إلى أصول مالية ومضاربات عقارية موجهة لخدمة الزوار الأجانب والنخب الاستثمارية، بدلا من تلبية الاحتياجات الإنسانية والمجالية للسكان المحليين الذين يجدون أنفسهم تدريجيا خارج معادلة الاستفادة.
هذا التحول الهيكلي تسبب في طفرة استبعادية حادة داخل سوق العقارات بالمدن المضيفة مثل مكسيكو سيتي، وغوادالاخارا، ومونتيري، وهو ما يمكن تسميته بظاهرة "Airbnb"
في أحياء شعبية مثل "سانتا أورسولا" المحاذية لملعب "أزتيكا"، تضاعفت أسعار الإيجارات لتصل إلى 20 ألف بيزو، مما دفع الملاك إلى إنهاء عقود الإيجار طويلة الأمد بشكل تعسفي للتحول نحو نموذج "الإيجارات القصيرة".
وتشير الأرقام الصادمة إلى توقع استضافة منصة "Airbnb" لحوالي 380 ألف ضيف خلال فترة البطولة، مما يهدد الاستقرار المعيشي والاجتماعي للسكان في بيئة تعاني أساسا من أزمة سكنية خانقة تفتقر فيها 8.5 مليون وحدة سكنية في البلاد إلى معايير العيش اللائق.
ولم يتوقف هذا الإقصاء عند الشق العقاري، بل امتد ليتخذ شكل سياسات "نظافة حضرية" تتبناها السلطات لتقديم صورة "مدينة عالمية" تتماشى مع المعايير الجمالية والتجارية الصارمة للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا).
هذا التوجه أفرز ممارسات تصنف سوسيولوجيا ضمن "التنظيف الاجتماعي"، وهي عملية إخفاء قسري وعقابي للفئات التي تعتبر "مزعجة بصريا" للكاميرات الدولية، حيث يزاح الباعة الجوالون - الذين يمثلون العصب الاقتصادي لآلاف العائلات - حماية للرعاة الرسميين، في حين ينقل المشردون قسرا إلى أطراف المدن النائية، مما يشكل انتهاكا صارخا لحقوقهم الأساسية في حرية التنقل والحماية الاجتماعية.
وتثير هذه الإجراءات تساؤلا دستوريا وجوهريا حول طبيعة "عمران الاستثناء" الذي يفرضه المونديال، حيث تعلق الضمانات القانونية العادية للمواطنين لصالح "مناطق الاستبعاد" والأسوار الأمنية والقيود التجارية التي تطلبها الفيفا، مما يجعل الاتفاقيات الخاصة تعلو عمليا فوق مواثيق حقوق الإنسان.
ويتصادم هذا الوضع بشكل مباشر مع مفهوم "الحق في المدينة" المعترف به دستوريا في المكسيك، والذي يضمن للسكان البقاء في مجالاتهم والمشاركة في إنتاجها.
وبذلك، يخلص البحث إلى تحذير بنيوي من أن "إرث" المونديال قد يقتصر على بنية تحتية منفصلة عن احتياجات المجتمع وأزمة سكنية متفاقمة، مؤكدا أن كأس العالم يعمل كأداة تعمق فجوات اللامساواة، وتحول الحق الإنساني في الرياضة والترفيه إلى ترف طبقي حصري.