في سياق التحولات التي يشهدها المسرح المعاصر، وما يرافقها من نقاشات حول العلاقة بين الجماليات الفنية والوظيفة النقدية للمسرح، إلى جانب تأثير التحولات الرقمية وتغير أشكال التلقي، تتواصل الأسئلة المرتبطة بموقع النص المسرحي وحدود التجديد في التجارب المسرحية الجديدة. كما يثير هذا النقاش قضايا الهوية الثقافية وتعدد المرجعيات داخل الممارسة المسرحية العربية المعاصرة.
وفي هذا الصدد، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع جليلة بكار، ممثلة وكاتبة مسرحية تونسية، على هامش الندوة الدولية التي نظمها المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، حول قضايا الكتابة والفنون والثقافة المعاصرة، أكدت فيه أن المسرح لا يمكن اختزاله في بعده الجمالي فقط، باعتباره أيضا موقفا ووعيا يسهم في إيقاظ الوعي الجماعي.
كما شددت على أن التجارب المسرحية الجديدة لا تقوم على القطيعة مع الأجيال السابقة، بل على الاستمرارية والتراكم، معتبرة أن لكل تجربة خصوصيتها وسياقها، بعيدًا عن أي تصور موحد لما يسمى بالمسرح العربي.
هل بات المسرح اليوم مطالبا أكثر بمساءلة الواقع الاجتماعي، أم بالحفاظ على البعد الجمالي والفني للإبداع المسرحي؟
أعتقد أن المسرح يجمع بين البعدين معا؛ فهو ليس مجرد ممارسة فنية أو جمالية، بل هو أيضا موقف ووعي ورسالة. ومن أهم وظائفه أنه يوقظ الوعي الجماعي ويدفع المتلقي إلى التفكير والتساؤل.
لذلك، من الطبيعي أن ينشغل المسرح بالقضايا والإشكالات التي تفرض نفسها في حياتنا اليومية، لكن ضمن أشكال فنية متجددة قادرة على ملامسة المتفرج والمتفرجة وإثارة تفاعلهما الفكري والجمالي في الآن نفسه.
ما الذي يميز التجارب المسرحية الجديدة التي يقودها الجيل الشاب عن التجارب الكلاسيكية؟
في نظري، لا يمكن الحديث عن قطيعة حقيقية بين الأجيال المسرحية، بل هناك نوع من الاستمرارية والتراكم. فالتجارب الجديدة لا تنفصل بشكل تام عما سبقها، وإنما تتطور في سياق طبيعي ومتواصل.
صحيح أن كل جيل يسعى إلى إثبات حضوره عبر اتخاذ مسافة نقدية من التجارب السابقة، لكن ذلك يظل جزءا من مسار البحث عن الذات الفنية.
وبعد هذه المرحلة، يعود المبدعون الشباب غالبا إلى الاستفادة من العناصر الإيجابية التي راكمتها الأجيال السابقة، قبل مواصلة تطويرها بما ينسجم مع تحولات العصر. فالعالم يتغير باستمرار، والمسرح بدوره يتفاعل مع هذه التحولات. وعندما بدأت ممارسة المسرح، لم تكن الرقمنة حاضرة كما هي اليوم، وكانت التلفزة نفسها لا تزال في بداياتها.
هل يمكن الحديث اليوم عن أزمة للنص المسرحي العربي في ظل تصاعد حضور الإخراج المسرحي؟
شخصيا، لا أميل إلى الحديث عن "مسرح عربي" بصيغة موحدة، لأن الواقع يكشف عن وجود تجارب متعددة ومختلفة إلى حد بعيد. ففكرة الوحدة الثقافية أو المسرحية العربية تبدو بالنسبة إلي غير دقيقة، بالنظر إلى اختلاف السياقات والرؤى واللغات وحتى طرق التفكير بين البلدان العربية.
لذلك، لا أرى نفسي بالضرورة قريبة من تجربة مسرحية تنتمي إلى بلد عربي آخر، سواء على مستوى التصور المسرحي أو المرجعيات الفكرية أو اللغة المستعملة. ربما كنت أؤمن سابقا بفكرة وجود فضاء مسرحي عربي موحد، لكنني اليوم أصبحت أرى أن لكل تجربة خصوصيتها وسياقها المختلف.