فاجعة عين النقبي.. من تحت الركام خرجت حكايات موت مؤجلة في فاس

كمال شغوري

عندما وصلنا في حدود الساعة الرابعة من صباح الخميس، كانت فرق الإنقاذ لا تزال تتقاطر تباعا على موقع انهيار العمارة رقم 34 بحي جنان الجروندي، بمنطقة عين النقبي التابعة لمقاطعة جنان الورد بمدينة فاس.

في تلك اللحظات الأولى من الفاجعة، كان شباب الحي، إلى جانب بعض عناصر الوقاية المدنية والأمن الذين سبقوا إلى المكان، قد شرعوا بالفعل في انتشال الضحايا من تحت الركام، وسط صرخات الجيران الممزوجة بالحزن والخوف والدعاء.

حصيلة بدأت بطفل وانتهت بعائلات كاملة

منذ الدقائق الأولى، بدأ عداد الضحايا يرتفع تباعا. عداد افتتح بطفل، قيل لنا إن اسمه إياد، ووالديه، وانتهى بعائلة السرغيني، وبين البداية والنهاية قصص موجعة لأزيد من عشرة ضحايا، لكل واحد منهم حكاية وحلم وحياة توقفت فجأة تحت الأنقاض.

وبين انشغالنا بجمع المعطيات حول العمارة المنهارة وتحيين حصيلة الضحايا، كانت العائلات المكلومة تتوافد مع بزوغ أول خيوط الصباح، تبحث بقلق عن أبنائها وأقاربها، فيما بدأت تتكشف تباعا فصول المأساة الإنسانية التي عاشها سكان العمارة المنكوبة.

عائلة بوحفص.. نجاة وحيدة وسط الفقد الكامل

شابة في أواخر العشرينات من عمرها، كانت تسأل بصوت مرتجف عن مصير عائلة بوحفص. أخبرتنا أن شقيقها محمد بوحفص، وزوجته، وأبناءه عصام وغيثة وبثينة وملاك، كانوا جميعا تحت الأنقاض.

وبعد ساعات ثقيلة من الانتظار، تأكدت الفاجعة: رحل الجميع، ولم تنجُ سوى الشابة بثينة، المزدادة سنة 2006.

رحل محمد بوحفص وأبناؤه، ورحلت غيثة دون أن تحقق حلمها في الوصول إلى "الضفة الأخرى"، بعدما كانت قد حصلت على تأشيرة السفر إلى ألمانيا، وكانت تستعد للسفر مطلع شهر غشت المقبل. كما رحل شقيقها عصام، الذي كان يخطط للحاق بها نهاية السنة.

"عصام كان وردة الحي"

عصام، كما يصفه سكان الحي، لم يكن شابا عاديا. كان ابنا للجميع، ووجها مألوفا عُرف بالطيبة وخفة الروح.

أبكى خبر وفاته الكبير قبل الصغير، وتحدث عنه الجيران بحرقة نادرة. سيدة مسنة كانت تتابع عمليات الإنقاذ بعينين دامعتين، قالت لـ"تيلكيل عربي": "عصام كان وردة الحي".

السرغيني.. هرب من "تيتانيك" إلى الموت نفسه

ولم تكن مأساة عائلة بوحفص الوحيدة في هذه الفاجعة. ففي زاوية أخرى بجوار الركام، كانت قصة محمد كرين، الملقب بـ"السرغيني"، تُروى بألم مضاعف من طرف أقاربه.

الرجل الذي عرفناه، نحن معشر الصحافيين، سابقا كأحد قاطني "عمارة تيتانيك" الشهيرة، التي أُخليت من سكانها، كان من بين الأصوات التي طالبت لسنوات بسكن لائق يقيه وأطفاله خطر الموت تحت الأنقاض.

يومها، كان يردد أمام الكاميرات: "لا أريد أن أموت أنا وأطفالي تحت الردم".

هرب السرغيني من "تيتانيك" بحثا عن الأمان، ليستقر بالعمارة رقم 34، حيث انتهت رحلته بالمصير ذاته الذي ظل يخشاه لسنوات.

عيد تحول إلى مأتم

ومن بين القصص التي مزقت قلوب الحاضرين أيضا، قصة رجل مسن قدم من مدينة مراكش لقضاء عيد الأضحى رفقة ابنته، قبل أن يتحول اللقاء العائلي إلى مأتم، بعدما فارق الحياة، تاركا خلفه ابنته وزوجها يقاومان داخل غرف الإنعاش من أجل البقاء على قيد الحياة.

ركام من الإسمنت... وأسئلة معلقة

في حي عين النقبي، لم يكن الركام مجرد إسمنت وحديد، بل بقايا أحلام عائلات وذكريات دُفنت في لحظات، تاركة وراءها حزنا ثقيلا وأسئلة موجعة عن مصير بنايات لا تزال قائمة، قد تنهار في أي لحظة، مخلفة بدورها مآسي لمواطنين آخرين.