قانون المحاماة يجتاز المستشارين دون تعديل.. ودفاع عن رقابة حساب الودائع واستقلالية المهنة

خديجة عليموسى

صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء،  في قراءة ثانية، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، في الصيغة نفسها المحالة من مجلس النواب، ودون إدخال أي تعديل عليه.

وحظي المشروع بتأييد ستة مستشارين، مقابل تسجيل حالة امتناع واحدة، دون أي تصويت بالرفض، بعدما صوتت عليه بالإيجاب مكونات من الأغلبية، إلى جانب عدد من مكونات المعارضة، من بينها الفريق الحركي وفريق الاتحاد المغربي للشغل.

ومن المنتظر أن يعرض المشروع على الجلسة التشريعية، مساء اليوم، لاستكمال مسطرته التشريعية داخل البرلمان، قبل إحالته لإصدار الأمر بتنفيذه ونشره في الجريدة الرسمية، ما لم يمارس أحد الأطراف المخول لها دستوريا حق إحالته على المحكمة الدستورية طبقا للفصل 132 من الدستور.

وفي هذا السياق، قال خالد السطي، مستشار برلماني عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، إن العلاقة بين المؤسسات، سواء تعلق الأمر بالحكومة أو البرلمان، يجب أن تقوم دائما على الاحترام المتبادل، وأن كل مؤسسة مطالبة بالقيام بدورها وفق الأنظمة الداخلية ووفق الدستور.

وأوضح السطي أن التعديل المرتبط بحساب الودائع قدم "عن قناعة"، وبعد تشاور مع بعض المحامين، مضيفا أن دور المستشارين البرلمانيين هو الاستماع إلى مختلف الأطراف، من هيئات المحامين والأساتذة الجامعيين وكتابة الضبط، وتبني ما يقتنعون به "بكل مسؤولية".

وأضاف أن قضية الرقابة على حساب الودائع، بالنسبة إلى الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، "قضية مبدأ"، مذكرا بأن النقابة سبق لها منذ سنة 2022 أن دعت المجلس الأعلى للحسابات إلى "دق أبواب المركزيات النقابية"، باعتبار أن الدولة تقدم دعما للنقابات، وأن الافتحاص لا يتم إلا مرة كل ست سنوات.

وسجل  السطي أن حساب الودائع، وإن كان المحامون يعتبرون أنه لا يضم أموالا عمومية، فإنه يتعلق بأموال تخص الناس، ويجب أن تصل إلى أصحابها وفي وقتها، مبرزا أن هذا المنطق هو الذي يؤطر موقفه من التعديل.

ورد  على من ربطوا التعديل بحزب العدالة والتنمية، قائلا إنه يمثل الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، ولا يمثل حزب العدالة والتنمية، مضيفا أن الحزب يقوم بدوره في مجلس النواب، بينما يقوم هو بدوره في مجلس المستشارين، لافتا إلى أن استقلال مهنة المحاماة يشكل ضمانة دستورية أساسية للمحاكمة العادلة وركنا من ركائز دولة الحق والقانون، غير أن ذلك لا يتعارض، في نظره، مع إرساء آليات قانونية ورقابية تكفل حماية أموال المتقاضين وتعزز مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وزاد موضحا أن أي رقابة على حساب الودائع ينبغي أن تقتصر على الجوانب المحاسبية والمالية، وأن تؤطر بنص قانوني واضح ودقيق، مع الاحترام التام لاستقلال المهنة، ودون أي تدخل في ممارسة الدفاع أو في تدبير هيئات المحامين أو في العلاقة بين المحامي وموكله.

ودعا السطي جميع المتدخلين في هذا النقاش إلى التحلي بروح المسؤولية واحترام الرأي والرأي الآخر، وتجنب كل أشكال التشهير أو التبخيس أو الإساءة إلى الأشخاص أو المؤسسات بسبب اختلاف وجهات النظر، معتبرا أن الاختلاف في التقدير القانوني والتشريعي يظل أمرا مشروعا وصحيا متى تم في إطار الاحترام المتبادل والاحتكام إلى قوة الحجة ومنطق القانون.

من جانبه،  قال محمد حمد بنفقيه، عن فريق التجمع الوطني للأحرار، إن النقاش الذي رافق مشروع القانون المتعلق بمهنة المحاماة يجب أن يوضع في إطاره البرلماني، معتبرا أنه "مؤلم جدا أن يوصف المحامي البرلماني بالخائن".

وأوضح  أن المادة 76 كانت لها عنده "قصة كبيرة"، لأنها ترتبط، وفق تعبيره، بمبدأ منع المحامي من الاقتطاع من أتعابه، مبرزا أن أموال المتقاضين "لا حق للمحامي فيها"، غير أن المبالغ المتعلقة بأتعاب المحامي تدخل في منطق آخر مرتبط بالتكافل والتضامن بين الزملاء.

وسجل بنفقيه أن هناك حالات اجتماعية داخل مهنة المحاماة، وزملاء توفوا في مقتبل العمر، مشيرا إلى أن الجمعية وهيئات المحامين تقوم بأدوار للتخفيف من معاناة الأسر، من خلال آليات تضامنية لم تكن لتتم، حسب قوله، لولا المقتضيات المؤطرة لذلك.

وتساءل المستشار البرلماني عن معنى الحديث عن خمسين لقاء بين جمعية هيئات المحامين ووزارة العدل، ثم القول بعدم التوافق على أي شيء، مضيفا بالقول "إذا لم يقع اتفاق في الاجتماع الأول أو الثاني أو العاشر، فلماذا استمرت الاجتماعات؟".

واعتبر بنفقيه أن الحديث عن المقاربة التشاركية يجب أن يكون واضحا، متسائلا عما إذا كان معناها هو فرض موقف طرف بعينه أو توقيف المسطرة التشريعية، مشيرا إلى أن البرلمان، عند مناقشة النصوص، يمثل الأمة ولا يشتغل بمنطق المزايدة.

وانتقد  المستشار البرلماني ما وصفه بالتقليل من دور مجلس المستشارين، قائلا إن اعتبار برلمانيي الغرفة الثانية غير مؤهلين لتقديم تعديلات "أمر مؤلم"، خاصة حين يصدر عن برلماني ومحام، في إشارة إلى النائب البرلماني الاستقلالي لحسن العمودي الذي اتهم المستشارين بعدم الإلمام بسبب إدراجهم تعديلات على مشروع القانون.

من جانبه، قال لحسن نازيهي، رئيس مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين، إن  مجلس المستشارين سبق أن ناقش المشروع باستفاضة داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، في نقاش عميق أسفر عن إدخال تعديلات جوهرية استهدفت تحقيق التوازن بين تحديث الإطار القانوني للمهنة والحفاظ على استقلاليتها وضمان دورها الدستوري في حماية الحقوق والحريات.

وأضاف أن عدد التعديلات المقدمة بلغ 266 تعديلا، أفضت إلى اعتماد 48 تعديلا شملت 35 مادة من المشروع، مشيرا إلى أن مسؤولية المجلس، بعد القراءة الثانية بمجلس النواب، لا تقتصر على إعادة التصويت، بل تشمل تقييم مدى استجابة الصيغة الجديدة للملاحظات السابقة، ومدى حفاظها على فلسفة الإصلاح المنشودة.

وأضاف أن مهنة المحاماة ليست مجرد نشاط مهني، وإنما أحد المكونات الأساسية لمنظومة العدالة، وشريك دستوري في تحقيق المحاكمة العادلة وضمان حق الدفاع وترسيخ دولة الحق والقانون.

ولفت  نازيهي إلى أن أي إصلاح تشريعي ينبغي أن يقوم على صيانة استقلال مهنة المحاماة باعتباره ضمانة للمتقاضي قبل أن يكون امتيازا للمحامي، وتحديث آليات الحكامة والتدبير داخل الهيئات المهنية بما يعزز الشفافية والنجاعة، وتنظيم الولوج إلى المهنة وفق معايير موضوعية تحقق تكافؤ الفرص وترفع من جودة التكوين والكفاءة المهنية، مشيرا إلى أن  إصلاح مهنة المحاماة ينبغي أن يكون جزءا من إصلاح شامل لمنظومة العدالة، يقوم على احترام المبادئ الدستورية، ويكرس استقلال الدفاع باعتباره أحد ركائز المحاكمة العادلة.