مصباح: الدولة غضت الطرف عن الجهاديين...لكنها استفاقت عندما حولوا فوهات مدافعهم (2/1)

الشرقي الحرش

في الجزء الأول من هذا الحوار  مع "تيلكيل عربي" يتحدث محمد مصباح، رئيس المركز المغربي لتحليل السياسات، والزميل المشارك ببرنامج الشرق الأوسط وشمال افريقيا في معهد تشاتام هاوس في لندن عن سياق أصدار كتاب له بعنوان "الجهاديون المغاربة: جدل المحلي والعالمي".

ويركز مصباح في هذا الجزء من الحوار على العوامل العالمية والمحلية التي تداخلت فيما بينها لتؤدي إلى ظهور التيار الجهادي في المغرب

أصدرتم كتابا بعنوان "الجهاديون المغاربة: جدل المحلي والعالمي" ما سياق صدور هذا الكتاب؟

هذا الكتاب هو ثمرة اشتغال أكاديمي دام لأكثر من ست سنوات، أربع منها في إطار أطروحة للدكتوراه حول مسارات تطرف واعتدال التيارات السلفية في المغرب، وسنتين من البحث في إطار منحة ما بعد الدكتوراه في الولايات المتحدة، والتي وفرت لي فرصة للتفكير والاشتغال بتعمق أكثر حول الموضوع.

إلا أن اهتمامي الأكاديمي بموضوع التيارات الإسلامية، وضمنها التيار الجهادي ترجع لأكثر من عشر سنوات حين كنت اشتغل كباحث ضمن فريق تقرير الحالة الدينية في المغرب.

اهتمامي الأكاديمي بهذا الموضوع يرجع أساسا لكوني لاحظت أنه بالرغم من أهمية الظاهرة وبروزها الإعلامي، إلا أنها لم تحض بالاهتمام الكافي من طرف الباحثين في العالم العربي، عكس ما هو موجود في الغرب.

أما الظاهرة الجهادية في المغرب فهي أكثر ضعفا سواء من ناحية الدراسات بالعربية أو الإنجليزية. ولهذا أعتقد أن هذا الكتاب حول التيار الجهادي في المغرب يحاول أن يؤسس لتقليد بحثي يشتغل على القضايا الساخنة بعقل بارد ويفكر فيها بشكل أكثر عمقا ليسمح لنا بابتكار حلول أكثر فعالية للمشاكل التي تعترض مجتمعاتنا.

 

ربطتم بين ظهور التيار الجهادي في المغرب وما أسميتموه بأدبيات المحنة الواردة من مصر، خاصة بعد إعدام سيد قطب، لكن الملاحظ أن سيد قطب أعدم سنة 1966 في حين لم يبدأ التيار الجهادي في الظهور بشكل علني في المغرب إلا بعد أحداث 11 شتنبر.  في نظركم ما أسباب هذا التأخر؟

في نظري، العلاقة بين التيار الجهادي في المغرب وأدبيات المحنة لدى التيار الإخواني في الستينيات والسبعينات ليست مباشرة وليس ميكانيكية.

أشرت إليها في الكتاب من زاويتين:

أولا، لأظهر أن استلهام أدبيات المحنة في المغرب لم ينجح بنفس الطريقة التي نجح في مصر، وذلك لأن درجة العنف والقمع الذي مارسه النظام اتجاه الإسلاميين في المغرب آنذاك لم يكن بنفس الدرجة التي كان عليها في مصر أيام السادات، وبالتالي لم تنجح محاولات استلهام أدبيات المحنة في المغرب في تحويل التيارات الإسلامية نحو التطرف العنيف، رغم حضور هذا الخطاب ضمن مضامين التأطير الإيديولوجي.

السياق الثاني الذي أشرت إليه هو لإظهار الجذور العميقة للتيار الجهادي العالمي وأيضا في المغرب. فصحيح أن التيار الجهادي في المغرب ظهر للعلن وبشكل أكثر بروزا في بداية القرن الحادي والعشرين، لا سيما بعد أحداث 11 شتنبر وأيضا تفجيرات 16 ماي 2003، لكن جذوره ترجع إلى فترة السبعينات والثمانينات، حيث كانت الفكرة تختمر بشكل تدريجي قبل أن تتحول إلى سلوك عنفي مع تفجيرات 16 ماي.

بعض رموز التيار الجهادي في التسعينات كانوا يعتبرون كتابات سيد قطب أحد المراجع الأساسية المعتمدة وأعادوا تأويل كتاباته ومفاهيمه بشكل جديد، لا سيما فكرة المفاصلة مع المجتمع الجاهلي، إلا أن كتابات سيد قطب ليست المرجع الوحيد ولا الأساسي. فقد دخلت كتب ومراجع أخرى لا سيما منظري التيار الجهادي العالمي، هي أيضا استلهمت من سيد قطب ولكن قامت بتأويلها بشكل أكثر تطرفا.

 

تؤكدون أن ذهاب عدد من المغاربة من أجل القتال في أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي كان يتم بتشجيع من الدولة. كيف تحول هؤلاء من "أبطال" يحتفى بهم إلى إرهابيين ومطلوبين لدى الأجهزة الأمنية؟ وكيف حدثت هذه المفاصلة؟

صحيح كان هناك تشجيع ضمني وغض الطرف في مرحلة من المراحل بخصوص سفر المغاربة نحو أفغانستان، يكفي أن الجمعية المغربية لمساندة الشعب الأفغاني تأسست من طرف عبد الكريم الخطيب الذي كان مقربا من القصر، ولكن ينبغي الإشارة إلى أن السياق الدولي آنذاك كان مختلفا، حيث كان التهديد الشيوعي خلال فترة الحرب الباردة ينظر إليه كعدو مشترك من طرف الإسلاميين، وأيضا من طرف الولايات المتحدة والمغرب.

ولكن ينبغي الإشارة أيضا إلى أمرين: الأول هو أن سفر المغاربة إلى أفغانستان تم في مرحلة متأخرة في الثمانينات، كانت الحرب قد شارفت على الانتهاء، والأمر الثاني هو أن أغلب الدعم الذي قدمه المغرب يمكن أن يندرج ضمن الدعم الإغاثي والإنساني.

التحول في النظرة إلى المغاربة الأفغان سيحصل بعد منتصف التسعينات، أي بعد نهاية الحرب ضد السوفيات، وذلك عندما حاول المغاربة الأفغان التنظيم في إطار الجماعة المغربية الإسلامية المقاتلة، والتي شكلت ربما النواة الأولى لجماعة جهادية عابرة للحدود، ولكن يبدو أن هذا التنظيم ولد ميتا منذ البداية ولم يستطع الحصول على الموارد والتعبئة الكافية لتأسيس تنظيم جهادي قوي. ولكن كانت هذه نقطة تحول في العلاقة، بحيث أصبح ينظر للمغاربة الأفغان باعتبارهم تهديدا أمنيا.

 

كيف ساهمت البيئة السياسية والاقتصادية التي عاشها المغرب خلال مرحلة برنامج التقويم الهيكلي في ظهور التيار الجهادي؟

منذ بداية التسعينات عرف المغرب ديناميتين أساسيتين: الأولى مستوى من الانفتاح السياسي الذي واكبه ارتفاع منسوب حرية التعبير وأيضا نوع من التراخي الأمني.

الدينامية الثانية مرتبطة بسيرورة التمدن السريعة التي عرفها المغرب في الثمانينات والتسعينات بسبب موجة الهجرة القروية نحو المدن بسبب سنوات الجفاف خلال سنوات الثمانينات، والتي أدت إلى اكتظاظ المدن ونشوء أحياء في الهوامش شكلت فضاءات للتهميش الاقتصادي والاجتماعي. بسبب العوامل الاقتصادية الإقصائية تولد حقد اجتماعي ضد الوضع القائم، مما شكل فرصة للتيار الجهادي لاستقطاب وتأطير الشباب المهمش.

من المعلوم أن التيارات السلفية عموما والجهادية خصوصا تحرم الديمقراطية والانتخابات. إلى أي حد استعمل هؤلاء في شيطنة الأحزاب السياسية والمعارضين؟

فعلا التيارات السلفية والجهادية كانت تحرم الديمقراطية والمشاركة الانتخابية من منطلق أنها تتعارض مع مبدأ توحيد الحاكمية، أي أن التشريع ينبغي أن يتأسس بشكل حصري على الشريعة وأن القوانين التي ينتجها البشر تتنافس مع القوانين الإلهية. هذا الأمر يدخل في صميم الفكر السلفي الجهادي، أي رفض مفهوم الدولة بمعناها الحديث المبني على فصل السلط والانتخابات والديمقراطية.

ينبغي الإشارة إلى أن رموز التيار السلفي التقليدي والجهادي ركزوا في مرحلة من المراحل نقدهم أساسا على التيارات الإسلامية المنافسة، لا سيما جماعة العدل والإحسان وبدرجة أقل حزب العدالة والتنمية، وأيضا بعض التيارات اليسارية والعلمانية.

فقد كان التيار الجهادي يعتبر أن مواجهة الإسلاميين المنافسين مقدم على مواجهة العلمانيين، وأظن أن ذلك مرتبط أساسا بالتنافس على متعاطفي التيارات الإسلامية. وضمن هذا السياق يمكن التذكير بأشرطة وكتابات الشيخ الفيزازي والشيخ عمر الحدوشي المنتقدة لجماعة العدل والإحسان، والتي استثمرت جزءا كبيرا من جهدها لانتقاد هذه الجماعة. ستعرف هذه المواقف تغيرات في إطار المراجعات الفكرية والسلوكية التي قام بها بعض منظري هذا التيار بعد سنة 2011 حيث سيحصل تحول في خطاب رموز التيار السلفي والتيار السلفي الجهادي في المغرب اتجاه الأحزاب والمشاركة السياسية.

 

فعلا التيارات السلفية والجهادية كانت تحرم الديمقراطية والمشاركة الانتخابية من منطلق أنها تتعارض مع مبدأ توحيد الحاكمية، أي أن التشريع ينبغي أن يتأسس بشكل حصري على الشريعة وأن القوانين التي ينتجها البشر تتنافس مع القوانين الإلهية. هذا الأمر يدخل في صميم الفكر السلفي الجهادي، أي رفض مفهوم الدولة بمعناها الحديث المبني على فصل السلط والانتخابات والديمقراطية.

ينبغي الإشارة إلى أن رموز التيار السلفي التقليدي والجهادي ركزوا في مرحلة من المراحل نقدهم أساسا على التيارات الإسلامية المنافسة، لا سيما جماعة العدل والإحسان وبدرجة أقل حزب العدالة والتنمية، وأيضا بعض التيارات اليسارية والعلمانية.

فقد كان التيار الجهادي يعتبر أن مواجهة الإسلاميين المنافسين مقدم على مواجهة العلمانيين، وأظن أن ذلك مرتبط أساسا بالتنافس على متعاطفي التيارات الإسلامية. وضمن هذا السياق يمكن التذكير بأشرطة وكتابات الشيخ الفيزازي والشيخ عمر الحدوشي المنتقدة لجماعة العدل والإحسان، والتي استثمرت جزءا كبيرا من جهدها لانتقاد هذه الجماعة. ستعرف هذه المواقف تغيرات في إطار المراجعات الفكرية والسلوكية التي قام بها بعض منظري هذا التيار بعد سنة 2011 حيث سيحصل تحول في خطاب رموز التيار السلفي والتيار السلفي الجهادي في المغرب اتجاه الأحزاب والمشاركة السياسية.