في شهادة تعكس حجم المأساة الإنسانية في قطاع غزة، حذر الأديب والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، صاحب الملهاة الفلسطينية والحائز على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) عن رواية "حرب الكلب الثانية"، من أن أخطر ما تخلفه الحرب ليس القتل وحده، بل تطبيع الموت في وعي الأطفال الفلسطينيين، معتبرا أن تحويل مشاهد القتل إلى أمر اعتيادي في نظر الطفولة يمثل "جريمة كبرى" بحق الإنسانية.
وخلال ندوة "فلسطين: مفارقة الحب والكراهية"، ضمن فعاليات مهرجان "ثويزا" بطنجة، عشية أمس السبت، وصف نصر الله ما يجري في غزة بأنه "إبادة مستمرة"، مؤكدا أنها لا تستهدف الإنسان الفلسطيني جسديا فقط، بل تسعى إلى محو ذاكرته وهويته ووعيه.
ولإبراز الأثر النفسي للحرب، استحضر قصة روتها إحدى الجدات، قالت فيها إنها حاولت إغلاق التلفاز حتى لا يشاهد حفيدها، البالغ من العمر خمس أو ست سنوات، صور القصف والقتل في غزة، غير أن الطفل أجابها ببساطة: "عادي يا سته.. عادي".
واعتبر نصر الله أن اعتياد طفل على رؤية الموت هو من أبشع الجرائم التي ترتكبها الحرب.
وأشار إلى أن ما تشهده غزة اليوم ليس حدثا منفصلا، بل امتداد لـ"إبادة مستمرة" بدأت، بحسب تعبيره، منذ عام 1948، مضيفا أن جذورها تعود إلى عام 1936، حين تعرضت الثورة الفلسطينية الكبرى لما وصفه بـ"الاحتيال" عبر وعود عربية ودولية مهدت، في نظره، لوقوع النكبة.
وفي مواجهة الصورة التي يحاول الاحتلال ترسيخها عن غزة، شدد نصر الله، الذي كرس جزءا كبيرا من مشروعه الروائي، ولا سيما في سلسلة "الملهاة الفلسطينية"، لتوثيق التاريخ الفلسطيني وحفظ الذاكرة الوطنية، على أن القطاع يمتلك تاريخا حضاريا واقتصاديا عريقا، معتبرا أن استهدافه اليوم يرمي إلى تشويه الإنسان الفلسطيني وتحويله إلى مجرد رقم في سجلات الموت، بعد تجريده من تاريخه وثقافته.
وتوقف عند حجم الكارثة الإنسانية، مشيرا إلى أن نحو 20 ألف طفل فلسطيني فقدوا طرفا أو أكثر نتيجة القصف، مؤكدا أن هؤلاء الأطفال سيحملون مستقبلا ذاكرة الحرب إلى الأدب الفلسطيني.
وفي هذا السياق، قال إن "الأدب الفلسطيني القادم هو قادم من غزة"، موضحا أن جيله عاش التهجير والمخيمات، لكنه لم يعش إبادة مباشرة وشاملة كما يعيشها أطفال القطاع اليوم، معتبرا أن هؤلاء، بما يحملونه من جراح وفقدان، سيكتبون الرواية الفلسطينية المقبلة بوجع لم يسبق أن عرفه أحد، كما كتب جيله تجارب اللجوء والمنفى في أعمال روائية شكلت جزءا من الذاكرة الفلسطينية المعاصرة.
وأورد أن توثيق هذه التجارب ليس ترفا أدبيا، بل ضرورة وجودية، مستشهدا بعبارة من روايته "أعراس آمنة": "أتعرف يا غسان ما مصير الحكايات التي لا نكتبها؟ إنها تصبح ملكا لأعدائنا"، معتبرا أن الكتابة تمثل وسيلة لحماية الذاكرة الفلسطينية من المحو، وهو النهج الذي طبع معظم أعماله الروائية والشعرية.
وأبرز أن المشروع الصهيوني، وفق رؤيته، لا يقتصر على قتل الفلسطيني، بل يسعى إلى الحلول محله عبر الاستيلاء على تراثه وملابسه ورقصاته وذاكرته، معتبرا أن سرقة الهوية أخطر من استهداف الجسد.
وضمن فلسفته لموضوع الندوة، رأى نصر الله أن الفلسطيني يواجه الكراهية بأسمى أشكال الحب، وهو حب الحرية، قائلا إن "الحرية هي الحب الأكبر في تاريخ الشعوب"، وإن التمسك بالأرض يتجسد يوميا في الطبيب الذي يواصل عمله تحت القصف، والأم التي تصر على تعليم أبنائها رغم الدمار، لأن كسر إنسانية الفلسطيني هو الهدف الذي لم يتحقق.
وأشاد بالدور الذي تؤديه المرأة الفلسطينية، واصفا النساء بأنهن "البناة الحقيقيون للمجتمع"، واستحضر قصة فرحة، والدة الأسير نائل البرغوثي، التي كانت تواجه الجنود الإسرائيليين مدعية أن أبناء الجيران هم أبناؤها لإنقاذهم من الاعتقال، في صورة تعكس، بحسب قوله، روح التضحية في المجتمع الفلسطيني.
وشدد على أن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد شأن وطني أو قومي محصور في بقعة جغرافية، بل تحولت إلى "امتحان يومي لضمير العالم"، فالموقف من فلسطين هو الاختبار الحقيقي لإنسانية الفرد، حيث شدد على أننا نقف معها لا لكوننا فلسطينيين أو عربا فحسب، بل لأن الانحياز لها هو انحياز للقيم الإنسانية المطلقة التي يمثلها هذا الضمير في أبهى صوره.
ويعد إبراهيم نصر الله من أبرز الأصوات الأدبية العربية المعاصرة، إذ يضم رصيده عشرات الروايات والمجموعات الشعرية، من بينها "زمن الخيول البيضاء"، و"قناديل ملك الجليل"، و"طفل الممحاة"، و"حرب الكلب الثانية"، فضلا عن مشروعه الروائي الكبير "الملهاة الفلسطينية" الذي يوثق تاريخ الفلسطينيين عبر أجيال متعاقبة.