وراء الأرقام التي تعكس انتعاش النشاط السياحي بمراكش، يبرز نقاش أعمق حول القيمة الفعلية لهذا النمو ومدى انعكاسه على الاقتصاد المحلي. فقد سجلت المدينة 4,7 ملايين ليلة مبيت إلى غاية نهاية أبريل 2026، بارتفاع نسبته 10 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، كما استحوذت على 34 في المائة من إجمالي ليالي المبيت المسجلة على الصعيد الوطني خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة، في وقت استقر فيه معدل الملء بمؤسسات الإيواء السياحي المصنفة عند 70 في المائة.
غير أن هذه المؤشرات، رغم دلالاتها الإيجابية، تطرح تساؤلات حول مدى تحول هذا الزخم السياحي إلى قيمة مضافة تنعكس على الاقتصاد المحلي ومختلف الفاعلين في المنظومة السياحية.
لماذا تواصل مراكش استقطاب السياح؟
في ظل المؤشرات الإيجابية التي تواصل ترسيخ مكانة مراكش على خريطة السياحة العالمية، كشف الزوبير بوحوت، الخبير السياحي، أن المدينة تمضي في تعزيز جاذبيتها كإحدى أبرز الوجهات السياحية، مستفيدة من الدينامية المتواصلة التي يشهدها القطاع. وأبرز أن مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة سجلت 4,7 ملايين ليلة مبيت إلى غاية نهاية شهر أبريل الماضي، بارتفاع نسبته 10 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، بما يعكس استمرار وتيرة الانتعاش السياحي.
وفي ما يتعلق بحركة النقل الجوي، أوضح بوحوت أن الوجهة المراكشية تواصل تعزيز قدرتها على استقطاب السياح بفضل تطور الربط الجوي، مشيرا إلى أن مطار مراكش المنارة يرتقب أن يستقبل، خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 19 يوليوز 2026، نحو 597 رحلة جوية مقابل 534 رحلة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بزيادة تقارب 12 في المائة، وبطاقة استيعابية تتجاوز 108 آلاف مقعد خلال أسبوع واحد.
ولا تقتصر هذه النتائج على تسجيل أرقام قياسية في عدد ليالي المبيت وحركة النقل الجوي، بل تعكس أيضا رسوخ مكانة مراكش كوجهة سياحية تحظى بثقة متزايدة لدى الأسواق الدولية، في ظل قدرتها على الحفاظ على جاذبيتها واستقطاب مزيد من الزوار عاما بعد آخر.
وأوضح أن هذه المؤشرات تعكس استمرار الثقة الدولية في مراكش، التي تستفيد من رصيد استثنائي يجمع بين غنى التراث الثقافي والتاريخي، وتنوع العرض السياحي، وجودة بنيات الاستقبال. وأبرز أن المدينة تجمع بين المدينة العتيقة المصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو، والمعالم التاريخية، والرياضات، والفنادق والمنتجعات الفاخرة، إلى جانب تجارب سياحية متنوعة تشمل الثقافة والترفيه والطبيعة والمغامرة، خاصة في صحراء أكفاي ومنطقة الحوز والأطلس الكبير.
ما بعد ارتفاع ليالي المبيت.. أين الأثر الاقتصادي؟
لكن خلف هذه الأرقام الإيجابية يبرز سؤال جوهري: إلى أي حد ينعكس هذا الانتعاش السياحي على الاقتصاد المحلي ومختلف الفاعلين في القطاع؟
وفي المقابل، شدد الخبير على أن الأرقام الإيجابية وحدها لا تكفي للحكم على نجاح القطاع السياحي، موضحا أن ارتفاع عدد ليالي المبيت، رغم أهميته كمؤشر على قوة الطلب السياحي، لا ينبغي أن يشكل غاية في حد ذاته، بل يجب أن يقاس أثره الحقيقي بمدى انعكاسه على مختلف مكونات المنظومة السياحية وعلى الاقتصاد المحلي بشكل عام. مضيفا أن النمو السياحي المستدام لا يرتبط فقط بارتفاع أعداد الزوار أو تحسين نسب الإشغال داخل المؤسسات الفندقية، وإنما بقدرة هذا النشاط على خلق قيمة مضافة موزعة بشكل متوازن على مختلف حلقات سلسلة القيمة، بما يضمن استفادة أوسع لمختلف الفاعلين والمتدخلين.
وبشأن انعكاسات هذا النمو على المنظومة السياحية، أفاد بوحوت أن تعزيز الترابط بين مختلف مكونات العرض السياحي يظل ركيزة أساسية لتحقيق تنمية مستدامة للقطاع، مشيرا إلى أن كل تطور في عدد ليالي المبيت ينبغي أن ينعكس إيجابا على أداء الفنادق، وشركات النقل السياحي، والمرشدين السياحيين، والمطاعم، ومهنيي الأنشطة الترفيهية والثقافية، والحرفيين، ومختلف الخدمات المرتبطة بتجربة الزائر. وأكد أن السياحة منظومة متكاملة، وأن نجاح الوجهة لا يقاس فقط بما تستقبله من زوار، بل أيضا بحجم القيمة الاقتصادية التي تخلقها داخل محيطها، ومدى استفادة مختلف الفاعلين منها.
العنصر البشري في صلب الرهان السياحي
ولا يكتمل الحديث عن استدامة هذا النمو السياحي دون التوقف عند العنصر البشري، باعتباره أحد الركائز الأساسية لضمان جودة الخدمات وتعزيز تنافسية الوجهة السياحية.
وأوضح بوحوت، في هذا الإطار، أن العنصر البشري يمثل أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة، باعتبار العاملين في القطاع الحلقة الأساسية في تقديم تجربة سياحية ذات جودة عالية وتعزيز صورة مراكش عالمياً. لذلك، فإن استمرار النمو السياحي يفرض مواكبة اجتماعية ومهنية تركز على تحسين ظروف اشتغال العاملين، وتطوير الكفاءات، والرفع من جاذبية المهن السياحية، وضمان استفادة أكبر للموارد البشرية التي تساهم يومياً في نجاح الوجهة. فارتفاع المؤشرات الرقمية للقطاع يجب أن يترجم أيضاً إلى تحسين ملموس في مردودية وجودة حياة العاملين فيه.
وفي سياق متصل، أشار إلى أن هذا التطور المتسارع يفرض ضرورة مواصلة الاستثمار في البنيات التحتية والخدمات العمومية، بما يضمن قدرة المدينة على استيعاب النمو السياحي مع الحفاظ على توازنها الحضري وجودة الحياة بها. فنجاح مراكش على المدى الطويل لن يعتمد فقط على قدرتها على جذب المزيد من السياح، وإنما على قدرتها على تحقيق توازن بين متطلبات التنافسية الدولية، والحفاظ على هويتها، وضمان استفادة السكان والاقتصاد المحلي من هذه الدينامية.
وخلص إلى أن التحدي الأساسي الذي يواجه مراكش خلال المرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من منطق النمو الكمي إلى نموذج سياحي أكثر شمولا واستدامة، يجعل من ارتفاع عدد ليالي المبيت وتزايد التدفقات الجوية رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وأكد أن الحفاظ على مكانة المدينة كوجهة سياحية عالمية رائدة يقتضي تعزيز الحكامة، وتقوية التكامل بين مختلف الفاعلين، وتحويل الزخم السياحي الحالي إلى قيمة مضافة مستدامة تعود بالنفع على القطاع والمهنيين والسكان على حد سواء.