شهرزاد عجرودي
هناك أسماءٌ تُشبه ومضة بعيدة، لا تُرى دائمًا وتغيّر شكل السماء.
المخرجة السينمائية فريدة بنليزيد واحدة من تلك اللومضات النادرة.
جاءت إلى السينما كما تأتي الريح من جهة البحر، حرّة، متقلّبة، خفيفة وحاسمة.
وكأنها فكرةٌ خطرت على رأس شاعرٍ نصف نائم.
ولدت في طنجة، في العاشر من مارس عام 1948 وكانت طنجة آنذاك أكثر من مدينة، ممراً للغات، مرآةً لبحرين وارتعاشةً عالقة بين جهتين.
حصلت على الإجازة في الأدب الحديث مع تخصص فرعي في السينما من جامعة باريس الثامنة عام 1974، ثم التحقت بالمعهد العالي للدراسات السينمائية بباريس وهناك بدأت الصورة تأخذ شكلها كقدر.
كانت السينما المغربية حينها فضاءً يكاد يخلو من النساء وكانت الكاميرا ثقيلة والصوت ذكوري بما يكفي...
فريدة بنليزيد واحدة من أبرز كاتبات السيناريو في المغرب. كتبت وساهمت إلى جانب نور الدين الصايل، فاطمة لوكيلي وغيرهم، في رسم العديد من السيناريوهات لأفلام مغربية نالت شهرة كبيرة، نذكر منها،"عرائس من قصب"... "السلطانة غير المنسية" وهو الفيلم الذي يتناول سيرة الراحلة فاطمة المرنيسي وأعمالًا أخرى للمخرج محمد عبد الرحمن التازي. ثم «باديس» و«البحث عن زوج امرأتي»، الذي تُوج بجائزة أفضل سيناريو بالمهرجان الوطني للفيلم بطنجة عام 1995.
ساهمت في إنتاج أعمال بارزة للجيلالي فرحاتي، من بينها «ثغرة في الجدار» و«دمى من قصب»، اللذين شقا طريقهما عبر «أسبوع النقاد» و«أسبوعيّة المخرجين» في مهرجان "كان" السينمائي.
ويعتبر فيلمها الشهير "باب السماء مفتوح". الذي أخرجته عام 1988. فتحا بطيئا في جدار الصورة وقد نال هذا الفيلم مشاركة واسعة وجال بين مهرجانات العالم، كما حصد عدداً كبيرا من الجوائز والتنويهات الوطنية والعالمية، في كل من مصر، الولايات المتحدة، إيطاليا، إسبانيا، كندا، مرورا بتونس والجزائر...
ومنذ ذلك الحين، لم تعد السينما المغربية كما كانت. فجأة تغيّرت اللغة وتغيّر الضوء وإيقاع الكاميرا. صار للبطء جسد واكتسب الصمت وزنا.
لا تخرج فريدة بنليزيد أفلاما فقط، بل تُصغي إلى ما يحدث داخل الأشياء، حين تتعب من أن تكون أشياء.
في أفلامها، لا تقع الأحداث، بل تتسرّب.
الزوايا… الماء… الأبواب الخشبية… النساء الصامتات…
تكتب كما تُخرج، ببطء وحذر وبشعورٍ خفي بأن الصورة ليست مجرد إطار، بل ارتجاج طويل في هندسة الضوء.
ولسنوات طويلة في تاريخ السينما المغربية، ظلت فريدة بنليزيد مخرجة وحيدة في مواجهة شاشة ذكورية واسعة.
لا تنتمي لأولئك الذين يتركون حياتهم تسير وفق خرائط جاهزة.
في مسارها الشخصي كما في أفلامها، تفتح الأبواب وتختبرها، تعيش الخيارات كاملة، بفرحها وارتباكها وانكساراتها الصغيرة المؤلمة.
ربما لهذا امتلأت أفلامها بنساء يسرن نحو مصائرهن ببطء، ويتعثرن أحيانًا، لكنهن لا يتنازلن عن حقهن في اختيار الطريق.
وفي عالم اعتاد أن يكتب الحكاية نيابة عن المرأة، تصر فريدة بنليزيد أن تمسك القلم بنفسها، داخل الصورة وخارجها. لا بصخب المانيفستات الكبرى، بل بتلك القوة الهادئة التي تجعل الحرية تبدو كأنها أمر طبيعي، مع أنها كانت، ولا تزال في كثير من الأحيان، أصعب القرارات وأغلاها.
لا تنتمي فريدة بنليزيد إلى المشهد السينمائي والثقافي فحسب، بل هي جزء من الطريقة التي نراه بها.
ربما لهذا السبب عيّنها الملك محمد السادس عضوة في اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، عام 2019.
وفي 2022، كرمها المهرجان الدولي للفيلم بمراكش. وكان التكريم أشبه بمصافحة متأخرة بين الضوء وصاحبته.
صدر مؤخرا كتاب باللغة الإنجليزية، يتناول مسارها، وهو من تأليف الكاتبة الأمريكية المتخصصة في مجال السينما فلورنس مارتن، متوفر على منصة أمازون، كما يجري العمل على نشر نسخة فرنسية منه في المغرب. يحاول هذا الكتاب أن يفهم كيف استطاعت امرأة واحدة أن تفتح بابًا واسعًا في السينما المغربية. وأن تضيف إلى العالم ما ينقصه من رقة.
وبين دفء الأبناء ودهشة الأحفاد، أضافت الحياة إلى حكايتها إيقاعًا جديدًا، حيث انفتحت على موسيقى جيلٍ جديد، ومن تلك النغمة البعيدة أطلّ فيلمها الوثائقي"كازا نايضة".
تواصل فريدة بنليزيد اليوم انشغالها بالذاكرة والعبور، إذ تُحضّر لمشروع فيلم وثائقي عن فاس وغرناطة وما يربط المدينتين من وشائج تاريخية وإنسانية، في امتدادٍ لمسارٍ وثائقي سبق أن انشغلت فيه بالعمارة الأمازيغية بين القصبات، القصور والمخازن الجماعية (إكودار)، بالتعاون مع شركة Dounia Productions التي ترافق جزءًا من مسارها منذ سنوات.
لا تخشى البدايات الجديدة ولا تنظر إلى الحياة كطريق مستقيم، بل حديقة من المسالك الممكنة، وحيث يكتفي كثيرون بزواجٍ واحد يرافقهم حتى آخر الطريق، تؤمن فريدة بأن للروح أكثر من موسم، لذلك عاشت تجاربها الزوجية كما عاشت أفلامها، بحريةٍ كاملة، ويقين هادئ بأن الأبواب خُلقت لتُفتح كلما ناداها الضوء من الجهة الأخرى.
تخلع عن الأيام ضجيجها، وتترك لروحها أن تتعلم الطيران في مسافةٍ بين القلب وما لا يُقال، تغذي اتساعها بالكتب، تُجدّد خفّتها بين الأشجار، وتترك للبحر مهمة الاعتناء بأحلامها البعيدة.
وحين يفرغ العالم من ضجيجه وتتبادل الأرواح أسماءها في العتمة، تجلس فريدة بنليزيد في الجهة التي تذهب إليها الأحلام حين تكبر.
وحدها الأرواح الشفيفة تهتدي إلى هناك.