هل يهدد معيار "العرض الأقل ثمنا" جودة المشاريع العمومية؟

خديجة قدوري

تفتح الحكومة صفحة جديدة في إصلاح نظام الصفقات العمومية، عبر مراجعة أحد أبرز النصوص المؤطرة للطلبية العمومية، بعدما وضعت الأمانة العامة للحكومة مشروع مرسوم لتعديل المرسوم رقم 2.22.431 رهن التشاور العمومي، في خطوة تمهد لإدخال تغييرات على قواعد إبرام وتنفيذ الصفقات وآليات اختيار نائليها.

وفي هذا الصدد، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع محمد أنوار الهزيتي، الخبير في التنمية الترابية وإصلاح الإدارة، كشف من خلاله أن مشروع تعديل مرسوم الصفقات العمومية يندرج ضمن ورش إصلاح منظومة الطلبية العمومية، باعتبارها إحدى الآليات الأساسية لتدبير الإنفاق العمومي وتنزيل السياسات العمومية.

ما الذي يمكن أن يترتب قانونيا وعمليا على اعتماد معيار "العرض الأقل ثمنا" بدل "العرض الأفضل ثمنا" في إسناد الصفقات العمومية؟

لا تقتصر منظومة الصفقات العمومية على كونها آلية إدارية لاقتناء الأشغال أو التوريدات أو الخدمات، بل تمثل أحد أهم أدوات تنفيذ السياسات العمومية وتحقيق الاستثمار العمومي، باعتبارها تستأثر بحصة مهمة من الإنفاق العام وتشكل رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية وتحفيز المقاولة الوطنية. ومن ثم، فإن أي تعديل يطال قواعد إبرام الصفقات أو معايير اختيار نائليها يكتسي بعدا استراتيجيا يتجاوز الجانب الإجرائي، ليمس جوهر الحكامة العمومية ونجاعة تدبير المال العام.

وفي المغرب، يستند تنظيم الصفقات العمومية إلى مرتكزات دستورية وقانونية واضحة، في مقدمتها مقتضيات دستور سنة 2011، ولا سيما الفصل 36 الذي يكرس مبادئ الشفافية والنزاهة والمنافسة المشروعة، والفصل 154 الذي يؤسس لمبادئ المساواة بين المرتفقين، واستمرارية المرفق العام، والجودة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فضلا عن المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، الذي جعل من حرية الولوج إلى الطلبية العمومية، والمساواة في معاملة المتنافسين، والشفافية، وضمان النجاعة في الإنفاق العمومي، مبادئ مؤطرة لكافة مراحل إبرام وتنفيذ الصفقات.

وفي هذا السياق، يثار اليوم نقاش واسع بشأن التوجه نحو تعزيز اعتماد معيار "العرض الأقل ثمنا بدلا من "العرض الأفضل ثمنا" في بعض الصفقات العمومية. ولا يتعلق الأمر بمجرد تعديل تقني في آليات تقييم العروض، بل باختيار ذي أبعاد قانونية واقتصادية وتدبيرية، يطرح إشكالية التوفيق بين متطلبات ترشيد النفقات العمومية وضمان جودة الإنجاز، وبين تعزيز المنافسة وحماية النسيج المقاولاتي الوطني، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة.

وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى التحولات التي تشهدها أنظمة الشراء العمومي على المستوى الدولي، حيث أصبح الاتجاه الغالب لا يقيس نجاعة الطلبية العمومية بالسعر الأدنى فقط، وإنما بمفهوم "أفضل قيمة مقابل المال العام" (Best Value for Money)، الذي يوازن بين الكلفة والجودة والأداء والاستدامة طوال دورة حياة المشروع. ومن ثم، فإن تقييم أي إصلاح في هذا المجال ينبغي أن يتم في ضوء مدى قدرته على تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية، وجودة الخدمات العمومية، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة التي تشكل اليوم أحد أهم مؤشرات فعالية الدولة الحديثة.

ما الذي يدفع الحكومة إلى الانتقال من معيار "العرض الأفضل ثمنا" إلى "العرض الأقل ثمنا" في الصفقات العمومية؟

ينبغي بداية التوضيح أن الأمر يتعلق، وفق ما هو متداول، بمراجعة لآليات تقييم العروض في بعض الحالات، وليس بالضرورة إلغاء معيار "العرض الأفضل ثمناً" بشكل مطلق. فالحكومة تسعى، على ما يبدو، إلى تبسيط مساطر إسناد بعض الصفقات، وتعزيز الشفافية والحد من هامش التقدير الذي تمارسه لجان تقييم العروض، خاصة عندما يتعلق الأمر بصفقات ذات مواصفات تقنية معيارية لا تستدعي تقييما معقدا.

ويستند هذا التوجه إلى اعتبارات متعددة، منها ترشيد الإنفاق العمومي في ظل الضغوط التي تعرفها المالية العمومية، وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع، وتقليص النزاعات المرتبطة بتقييم العناصر التقنية التي قد تثير أحياناً جدلاً بين المتنافسين.

لكن ينبغي التأكيد أن أغلب الأنظمة المقارنة لا تعتمد معيارا واحدا بشكل مطلق، وإنما تميز بين طبيعة الصفقات؛ فصفقات الأشغال أو التوريدات ذات المواصفات الموحدة يمكن أن يكون معيار السعر فيها أكثر حضورا، بينما تستمر الصفقات ذات البعد التقني أو الفكري في الاعتماد على معايير الجودة والكفاءة والخبرة إلى جانب السعر.

ما الفرق الجوهري بين هذين المعيارين، وكيف ينعكس ذلك على اختيار نائلي الصفقات؟

الفرق الجوهري يكمن في فلسفة الاختيار، فمعيار "العرض الأفضل ثمنا" (Offre économiquement la plus avantageuse) لا يعني اختيار العرض الأغلى أو الأرخص، وإنما اختيار العرض الذي يحقق أفضل قيمة مقابل المال (Best Value for Money)، حيث يتم تقييم السعر إلى جانب عناصر أخرى مثل الجودة التقنية، ومنهجية الإنجاز، والكفاءة، والاستدامة، والابتكار، وآجال التنفيذ، وخدمات ما بعد الإنجاز، وغيرها من المعايير التي تحددها وثائق الصفقة.

أما معيار "العرض الأقل ثمنا" فيركز أساسا على السعر، بحيث يفوز المتنافس الذي يقدم أقل عرض مالي، شريطة استيفائه للشروط التقنية والإدارية المطلوبة.

ومن الناحية العملية، فإن اعتماد معيار العرض الأفضل ثمنا يمنح الإدارة مرونة أكبر لاختيار العرض الأكثر قدرة على تحقيق أهداف المشروع، لكنه في المقابل يتطلب آليات تقييم دقيقة وخبرة تقنية عالية لضمان الموضوعية. أما معيار العرض الأقل ثمنا فيتميز بالبساطة وسهولة المراقبة، لكنه يقلص مساحة تقييم القيمة المضافة التي قد يقدمها بعض المتنافسين.

هل يمكن أن يؤثر اعتماد معيار "العرض الأقل ثمنا" على جودة المشاريع والخدمات المنجزة؟

هذا الاحتمال وارد إذا لم تكن هناك ضمانات تنظيمية وتقنية موازية. فالتركيز المفرط على السعر قد يدفع بعض المقاولات إلى تقديم عروض منخفضة بشكل كبير للفوز بالصفقة، ثم محاولة تعويض الفارق أثناء التنفيذ، سواء من خلال طلب مراجعات مالية، أو تقليص جودة المواد المستعملة، أو التأثير على آجال الإنجاز، وهو ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بظاهرة "السباق نحو أدنى سعر".

لكن في المقابل، إذا كانت دفاتر التحملات دقيقة جدا، والمواصفات التقنية واضحة، وآليات المراقبة أثناء التنفيذ فعالة، فإن اعتماد أقل سعر لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض الجودة، خاصة في الصفقات التي تكون فيها المواصفات موحدة ولا تترك مجالا واسعا للاجتهاد التقني.

لذلك فإن جودة المشروع لا تتوقف فقط على معيار اختيار الفائز، وإنما أيضا على جودة إعداد الدراسات، ودقة دفاتر الشروط، وفعالية التتبع والمراقبة أثناء التنفيذ.

كيف سينعكس هذا التعديل على المقاولات المغربية، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة، من حيث فرص المنافسة والولوج إلى الصفقات العمومية؟

الانعكاسات قد تكون مزدوجة من جهة أولى، قد تستفيد بعض المقاولات الصغرى والمتوسطة من تبسيط معايير التقييم، لأن المنافسة ستصبح أكثر وضوحا وارتباطا بالسعر، مما قد يقلل من الشعور بوجود تقديرات تقنية يصعب توقع نتائجها.

لكن من جهة ثانية، قد تجد هذه المقاولات نفسها أمام منافسة سعرية حادة مع مقاولات أكبر تمتلك قدرة مالية وتنظيمية تمكنها من تخفيض أسعارها بشكل أكبر، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف القدرة التنافسية للمقاولات الصغيرة إذا لم ترافق هذا التوجه إجراءات داعمة، مثل تقسيم الصفقات إلى حصص، أو اعتماد حصص موجهة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، أو تسهيل الولوج إلى التمويل والضمانات.

ومن ثم، فإن أثر الإصلاح لن يتحدد فقط بمعيار اختيار العرض، وإنما أيضا بمجمل السياسات العمومية الداعمة للنسيج المقاولاتي الوطني.

برأيكم، هل يحقق هذا التوجه توازنا بين ترشيد النفقات العمومية وضمان جودة الإنجاز، أم أنه قد يفرز تحديات جديدة على مستوى تنفيذ الصفقات؟

أعتقد أن التوازن لا يتحقق بالاعتماد على معيار واحد، وإنما باعتماد مقاربة مرنة ومبنية على طبيعة كل صفقة.

ففي الصفقات البسيطة أو ذات المواصفات التقنية الموحدة، قد يكون معيار العرض الأقل ثمنا مناسبا لأنه يعزز المنافسة ويحقق اقتصادا في النفقات العمومية.

أما في المشاريع الكبرى، أو الصفقات ذات الطابع التقني والهندسي أو الرقمي أو الاستشاري، فإن الاقتصار على السعر قد لا يضمن أفضل النتائج، لأن نجاح هذه المشاريع يرتبط بالخبرة والابتكار وجودة الحلول المقترحة أكثر من ارتباطه بالسعر وحده.

لذلك، فإن الاتجاه الذي تتبناه أغلب التشريعات الحديثة، وكذلك توصيات المؤسسات الدولية، يقوم على الانتقال من مفهوم "أقل تكلفة" إلى مفهوم "أفضل قيمة مقابل المال"، الذي يأخذ بعين الاعتبار التكلفة الإجمالية للمشروع طوال دورة حياته، وليس فقط تكلفة الإسناد الأولية.

وفي الحالة المغربية، فإن نجاح أي تعديل في منظومة الصفقات العمومية سيظل رهيناً بتكامل ثلاثة عناصر أساسية: جودة الإطار القانوني والتنظيمي، وكفاءة الأجهزة المكلفة بالتقييم والمراقبة، ورفع مستوى الحكامة والشفافية في مختلف مراحل إعداد وإبرام وتنفيذ الصفقات العمومية. فالغاية النهائية ليست فقط تحقيق وفر مالي آني، وإنما ضمان إنجاز مشاريع عمومية ذات جودة عالية تحقق المصلحة العامة وتوفر أفضل مردودية لاستثمار المال العام على المدى المتوسط والبعيد.