فكك زين العابدين أوراغ، متخصص في علم الجينات والأنثروبولوجيا، الأساطير، الأطروحات والمقولات التاريخية التي طالما ربطت أصول المغاربة وسكان شمال إفريقيا بهجرات خارجية قادمة من المشرق العربي، مثل المشرق الكنعاني أو اليمن، مستندا في طرحه إلى أحدث الأبحاث العلمية والدراسات الأنثروبولوجية والجينية المعززة بالمعطيات الأركيولوجية التي تؤكد الاستمرارية الجينية المحلية العريقة التي تمتد لآلاف السنين.
وردا على المقولات والتأويلات التاريخية التي تدعي استقدام أو هجرة الأمازيغ من أصول كنعانية، يستند الباحث زين العابدين أوراغ إلى مقارنة جينية مباشرة أجريت مع الرفات الكنعانية القديمة المستخرجة من منطقة بلاد الشام، والتي تعود لنحو 2300 سنة قبل الميلاد وتحمل سلالات أبوية ينتمي معظمها إلى الطراز السلالي J1 و J2، وهي الدراسات التي نشرت نتائجها في كبريات المجلات العلمية الدولية مثل مجلة Cell ومجلة Nature.
وأظهرت النتائج التحليلية الدقيقة لهذه العينات الجينية أن أقرب المجتمعات المعاصرة جينيا للكنعانيين القدماء ليست الساكنة المغربية، ولا الجزائرية، ولا التونسية، بل إن أقرب الشعوب الحالية لرفات الكنعانيين هم السكان الأصليون لمنطقة بلاد الشام الذين حافظوا على نسيجهم الجيني عبر التاريخ، وفي مقدمتهم السامريون (Samaritans)، والبروتوكولات الجينية للمجتمعات الأردنية، والفلسطينية، واللبنانيين المسيحيين، والدروز، والعلويين، وهو ما ينفي بشكل قاطع وبشهادة المعطيات المخبرية وجود أي ارتباط أو اتصال جيني مباشر بين الكنعانيين القدماء وسكان شمال إفريقيا.
وفيما يتعلق بالحضارة البونية والتواجد الفينيقي والقرطاجي بالمنطقة، لفت الباحث إلى النتائج الجينية الصادرة عن تحليل العينات المأخوذة من موقع كيركوان (Kerkouane) الأثري البوني الشهير في تونس، حيث أثبتت الدراسات الجينية المأخوذة من هذا الموقع أن الأفراد والمتوفين المكتشفين في قرطاج والمواقع البونيقية يحملون السمة الجينية المحلية الأمازيغية، دون تسجيل دخول أو امتزاج بمكونات مشرقية في بنيتهم الجينية الأساسية، مما يؤكد أن البونيقيين والقرطاجيين في معظمهم كانوا ساكنة محلية تبنت الثقافة، واللغة، والبذخ المعماري والحضاري البونيقي دون حدوث تغيير في الديموغرافيا الأصلية.
وفي إطار حديثه عن جزر الكناري وسكانها الأصليين المعروفين ب "الغوانش" (Guanches)، أشار زين العابدين أوراغ إلى الدراسة العلمية المنشورة بمجلة Nature Communications حول الرفات الأصيلة لسكان الجزر القدماء الذين عاشوا بمعزل عن التغيرات الديموغرافية ولم يتعرضوا لاختلاط مع الرومان أو الفينيقيين، حيث كشفت النتائج الجينية أن أقرب المجتمعات المعاصرة جينيا لسكان الكناري القدماء هم سكان شمال المغرب، وسكان الجزائر، وسكان تونس، وسائر المجموعات الأمازيغية في شمال إفريقيا، وهو ما يشكل دليلا حاسما وقاطعا على استمرارية هذا المكون الأمازيغي الأصيل وتجذره بالمنطقة.
وحول الادعاءات والشائعات التاريخية التي تنسب أصول الأمازيغ أو بعض القبائل الأمازيغية كقبيلتي صنهاجة وكتامة إلى هجرات قادمة من اليمن، استعرض الباحث النتائج العلمية الصادرة عام 2024 بعد تحليل رفات قديمة استخرجت من جزيرة سقطرى باليمن وتعود لمجموعات تنتمي لمملكة حمير القديمة.
وعند مقارنة هذه النتائج والمؤشرات الجينية بالجينات المغاربية، تبين بطلان الأطروحات التي تدعي الهجرة اليمنية نحو الشمال الإفريقي، إذ أظهرت الفحوصات أن الرفات اليمنية القديمة تحمل المكون الجيني الناطوفي المشرقي والمكون الزاغروسي القادم من إيران (Zagrosian component)، حيث حافظت الساكنة هناك على استمراريتها البيئية والمحلية دون تسجيل حركة هجرات جينية نحو الجغرافيا الشمال إفريقية.
وعلى مستوى الفترة الكلاسيكية والممالك الأمازيغية القديمة، أوضح الباحث أن الرفات المستخرجة من منطقة سطيف والمؤرخة للفترة النوميدية تنتمي بوضوح للسلالة الأبوية الأمازيغية E-M81، كما أن المعطيات الأنثروبولوجية المأخوذة من المسكوكات والنقود الأثرية التي ضربها الملك الموري "بوغود" (Bogud) عام 49 ميلادية تعكس الملامح الطبيعية والأصيلة للساكنة المحلية، وهو ما يفند الأطروحات والادعاءات التي تحاول فصل الساكنة المغاربية عن أصولها التاريخية والجينية المستمرة.
واستعرض الباحث الخارطة الجينية للسلالات السائدة، مبينا أن السلالات الأبوية (Chromosomal Y-DNA) في شمال غرب إفريقيا تتميز بالحضور الكثيف والحاسم للسلالة الأبوية E-M81 (المعروفة جينيا بالفرع الأمازيغي) لدى غالبية الساكنة المحلية، في حين تسود في مصر السلالة الأبوية E-M78، وتسود في الشرق الأوسط والجزيرة العربية السلالة الأبوية J1.
أما على مستوى السلالات الأمومية (Mitochondrial DNA)، فنبه الباحث إلى أن المجموعات الأمازيغية في مناطق الشمال قد تحمل خطوطا أمومية مرتبطة بغرب حوض البحر الأبيض المتوسط والأناضول، بينما تحمل المجموعات بالمناطق الجنوبية خطوطا أمومية متلائمة مع جغرافيتها البيئية، إلا أن هذه المجموعات تلتقي جميعها في نفس الخط والسلسلة الأبوية المشتركة.
واستشهد الباحث بالدراسة العلمية التي أعدها الباحث بيكادا وآخرون (Bekada et al., 2013)، والتي أثبتت أن نحو 84% من التركيبة الجينية للمغاربة تعود للجينات والأصول السلالية الأمازيغية المحلية.
وعلى مستوى التحورات والفروع الدقيقة، يبين الفرع الجيني E-ZS5009 المتفرع عن السلالة الأم E-M81 الرباط الجيني الذي يجمع بين مجموعات أمازيغ الريف، وأمازيغ الأطلس، وأمازيغ سوس، حيث يلتقي أبناء هذه المناطق في جد مشترك عاش تقريبا حوالي عام 300 قبل الميلاد.
وأعلن الباحث زين العابدين أوراغ العمل حاليا ضمن مشروع بحثي مشترك مع مختبر ألماني متخصص لجمع العينات الجينية وتحديد التحورات الدقيقة لهذا الجد المشترك، وتقدير نسبة المكون الإيبيروموريزي (Iberomaurusian) القديم لدى المغاربة.
وفي سياق إجابته عن فرضيات التغير السكاني الشامل، ناقش الباحث مفهوم "الاستبدال الجيني الشامل" (Population Replacement)، مؤكدا أن هذا الحدث الديموغرافي الحاد وقع تاريخيا في القارة الأوروبية عندما انتشرت قبائل "اليامنايا" (Yamnaya) القادمة من السهوب القوقازية قبل نحو 5000 سنة، وقامت بإزاحة واستبدال شبه كلي للسلالات الأبوية للساكنة المحلية الأصلية من الصيادين والجامعين في أوروبا، وهو ما يفسر تعود غالبية السلالات الأبوية لرجال أوروبا اليوم إلى أصول قوقازية قادمة من سهوب أوكرانيا بفضل امتلاك قبائل "اليامنايا" للخيول والأسلحة البرونزية.
وشدد الباحث على أن ظاهرة الاستبدال الجيني لم تحدث مطلقا في المغرب ولا في عموم شمال إفريقيا، إذ لا يوجد أي دليل جيني أو أركيولوجي يثبت وقوع استبدال سكاني أو عرقي بالمنطقة، بل تؤكد الشواهد وجود استمرارية جينية وتطور محلي متصل.
وفي هذا الصدد، أشار إلى الأهمية الاستثنائية التي تشكلها المواقع الأركيولوجية الوطنية بحسب أبحاث الأستاذ الباحث يوسف بوكبوط، إذ يمثل موقع إفري نعمار أوموسى (Ifri n'Ammar) أقدم خط سلالي مرتبط بالأمازيغ، ويشكل موقع واد بهت (Oued Beht) أكبر مركب زراعي ونواة الاستقرار العمراني والحضاري بالمنطقة، في حين أثبت موقع كاشكوش (Kachkouch) بجهة تطوان وجود معالجة واستغلال للمعادن في مراحل تاريخية سابقة لدخول الفينيقيين.
وشدد الباحث على أن شمال إفريقيا لم تكن يوما أرضا خالية من السكان (Terra nullius) ليأتي الآخرون ويعمروها من الفراغ، بل كانت على مر العصور والأحقاب التاريخية آهلة بساكنتها المحلية المحتفظة باستمراريتها الجينية والحضارية.