أعاد التشكيل الأخير للمكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فتح نقاش قديم داخل الحزب وخارجه حول حدود التداخل بين القرابة والاختيار التنظيمي، وحول الطريقة التي يدير بها الكاتب الأول إدريس لشكر هندسة القيادة، عبر مزيج من الاستمرارية العائلية، وإعادة توزيع المواقع، وضبط موازين القوة داخل الأجهزة.
اللافت في هذه التركيبة ليس فقط حضور أسماء بعينها، بل تكرار نمط واحد: أبناء وبنات قياديين، أشقاء وأصهار، وأقارب مباشرون، إلى جانب إزاحة أو تحجيم منافسين أو قيادات إعلامية وتنظيمية.
ابنة الكاتب الأول… تثبيت النفوذ في العلاقات الخارجية
تتقدم خولة لشكر، ابنة الكاتب الأول إدريس لشكر، واجهة هذا النقاش، بعد تكليفها بملف العلاقات الخارجية داخل الحزب، وبواسطته حازت عضوية المكتب السياسي. وجاء القرار متزامنا مع إبعاد منافسها المباشر مشيج القرقري، بدعوى ارتكابه "خطأ" خلال إشرافه على حملة دبلوماسية حزبية.
غير أن الحزب لم يكشف عن طبيعة هذا الخطأ ولا عن حيثياته، ما غذى الانطباع بكون القرار سياسيا أكثر منه تقنيا، خاصة أن خولة لشكر حافظت على موقعها داخل المكتب السياسي، في وقت يجري فيه الحديث عن "تشبيب القيادة" و"تجديد النخب".

ابن شقيقة لشكر… حضور القرابة في أعلى هيئة تقريرية
إلى جانب ابنة الكاتب الأول، يبرز اسم غسان باحو أمرسال، محام بهيئة فاس، وابن شقيقة إدريس لشكر، الذي جرى إدخاله بدوره إلى المكتب السياسي. ويعزز حضور باحو مرسال فكرة أن القرابة العائلية أصبحت مسارا معتمدا للولوج إلى قمة الهرم الحزبي، حتى وإن تم ذلك عبر مساطر تنظيمية شكلية.

عائلة الراشيدي: من الأخ إلى الصهر
في السياق نفسه، سجل التشكيل الجديد عودة قوية لما يمكن تسميته بـ"سلالة الراشيدي" داخل الحزب.
فقد التحق مروان الراشيدي، الشقيق الأصغر لعبد المقصود الراشيدي، العضو الأسبق بالمكتب السياسي، بالقيادة الجديدة، إلى جانب كمال الهشومي، زوج ابنة عبد المقصود الراشيدي (صهره)، الذي سبق له أن شغل مناصب من بينها إدارة ديوان الحبيب المالكي عندما كان رئيسا لمجلس النواب.
كان الراشيدي خلال السنين القليلة الماضية، واحدا من المنتقدين البارزين لإدريس لشكر، ثم خفت صوته قبل عام.
ويطرح هذا الامتداد العائلي سؤالا حول حدود التداول الداخلي، وحول ما إذا كان المكتب السياسي يُعاد إنتاجه عبر شبكات القرابة أكثر مما يفتح أمام أجيال جديدة مستقلة تنظيميا.

أبناء القيادات التاريخية… استمرارية بلا قطيعة
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ ضم المكتب السياسي أسماء أخرى تنتمي إلى الجيل الثاني من القيادات الاتحادية، من بينها:
طارق المالكي، نجل الحبيب المالكي، الرئيس السابق للمجلس الوطني للحزب، وهذه المرة الثانية حيث يحصل على مقعد في المكتب السياسي للحزب، بينما والده فقد حالت ظروف صحته دون تولي مسؤوليات جديدة بالحزب.
رجاء البقالي، التي ورثت مقعد والدها الأمين البقالي الطاهري، وهو رجل أعمال، ونائب برلماني عن دائرة شفشاون.
صابرين الموساوي، التي بدورها هي ابنة عبد السلام الموساوي، الشاعر، والكاتب في صحافة الحزب، وهو مقرب من لشكر.
ويعزز هذا الحضور المتكرر لأبناء القيادات السابقة قراءة تعتبر أن الاتحاد الاشتراكي يعيش انتقالا عائليا للشرعية التنظيمية، بدل قطيعة واضحة مع منطق "الوراثة السياسية" الذي طالما انتقده الحزب في تجارب أخرى.

الإعلام الحزبي… إعادة توزيع مراكز القرار
في شق آخر، تكشف التعيينات المرتبطة بالإعلام الحزبي عن منهج دقيق في إعادة ضبط النفوذ.
فالمهدي مزواري، الذي كان يُعوّل عليه لشغل منصب إداري مركزي داخل الحزب، جرى تحويله إلى مكلف بالإعلام الفرنسي، وتحديدا الإشراف على صحيفة "ليبراسيون"، على مبعدة فترة قصيرة من نهاية فترته عضوا في الهيئة العليا لضبط الكهرباء، وهو ما اعتبره بعض الاتحاديين إبعادا ناعما عن مركز القرار.
في المقابل، عُيّن جمال الصباني، وهو أستاذ جامعي متقاعد، مكلفا بالإدارة الحزبية، في خطوة فسرها منتقدون بأنها اختيار لشخصية "غير مزعجة تنظيميا".
وعانى عبد الحميد لجماهري بدوره من هذه الترتيبات الجديدة التي وضعها لشكر في إعلام الحزب؛ فبعدما كان منسقا عاما للإعلام الحزبي، بشقيه العربي والفرنسي، إضافة إلى الإعلام الرقمي، أصبح الآن مكلفا بالإعلام العربي فقط.
ومع ذلك، يُنظر إلى ما حدث لهؤلاء باعتباره مصيرا أفضل مما وقع مع آخرين، مثل محمد محب، الذي كان، حتى عشية اجتماع المجلس الوطني المنعقد السبت الفائت، المرشح البارز لتولي رئاسة هذه الهيئة بالحزب، قبل أن يُبعد بشكل تام من المكتب السياسي، تاركا مقعده لمحامٍ يدعى مصطفى عجاب، ولميلودة حازب، إحدى أبرز الوجوه سابقا بحزبي الأصالة والمعاصرة والوطني الديمقراطي، والتي باتت من الآن فصاعدا مكلفة بقطاع النساء الاتحاديات.
وذلك بدوره يُعد أقل حدة مما وقع مع يوسف بنجلون وسلوى دمناتي، اللذين أُبعدا من المكتب السياسي، وعُوِضا بمساعد في ديوان عمدة طنجة، عن حزب الأصالة والمعاصرة، يدعى عبد الرحيم الزباح.

تفسيرات لشكر
وفي كلمته خلال اجتماع المجلس الوطني، السبت الفائت، شدد لشكر على أن الحزب يدخل هذه المرحلة بروح "الأسرة الاتحادية" القائمة على التوفيق بين الاختلاف والتوافق، والتنافس المشروع، والزهد في المواقع.
وسجل الكاتب الأول أن الاتحاد الاشتراكي استطاع، بفضل هذه الروح الجماعية، تعزيز موقعه كقوة سياسية فاعلة ومؤثرة في المشهد الوطني، وقادرة على مواجهة التحديات المقبلة، مؤكدا أن الرهان الأساسي يتمثل في تقوية البناء المؤسسي للحزب وتطوير أدوات اشتغاله بما ينسجم مع التحولات السياسية والتقنية والعلمية.
وفي الشق التنظيمي، أوضح لشكر أن اقتراح استكمال هياكل الحزب تم بروح من التمحيص والتروي، مبرزا أن الأنظمة الحزبية تتيح إضافة نسبة محددة من أعضاء المجلس الوطني، مع الإقرار بأن هذه النسبة لا تكفي لوحدها لتمثيل جميع الكفاءات التي يزخر بها الحزب. وأضاف أن الاختيارات المقترحة حرصت على إدماج أسماء تتوفر فيها قيمة مضافة وقدرة على مواكبة التحولات الراهنة وتطوير الأداء الحزبي.
كما أكد لشكر أن هيئات الحكامة، بما فيها اللجنة الوطنية للتحكيم والأخلاقيات، ولجنة مراقبة المالية والإدارة والممتلكات، إضافة إلى رئاسة ومقرري اللجان الوطنية الدائمة، تم اقتراحها وفق معايير الكفاءة وتنوع التجارب والاستقلالية ونزاهة الضمير، ضمانا لحسن القيام بالمهام المنوطة بها في إطار احترام القانون والنظام الداخلي.
في المقابل، لم يتردد أعضاء جدد بالمكتب السياسي الحالي في إبراز الطريقة التي وُضعوا من خلالها في أعلى جهاز تنفيذي للحزب بالرغم من عدم توفر الشروط فيهم.
وتشكل حالة كريم السباعي، المدير المركزي بالإذاعة والتلفزة المغربية مثالا عن ذلك. من خلال التفاصيل الدقيقة التي أوردها السباعي، في تدوينة على حسابه في الشبكات الاجتماعية، يتضح أن الانضمام إلى المكتب السياسي لم يكن مؤطرا بالقواعد التقليدية داخل الحزب.
يعترف السباعي صراحة بأنه غاب عن دورات المجلس الوطني لأكثر من ثلاث مرات متتالية، وهي حالة تكفي، وفق القوانين الداخلية، لإقالته تنظيميا، ومع ذلك لم تُفعّل هذه القاعدة في حقه.
كما أن السباعي لم يعد تدريجيا إلى أجهزة الحزب عبر مسار تنظيمي واضح، بل عاد مباشرة إلى واجهة المجلس الوطني ثم إلى المكتب السياسي، في قفزة عمودية يفسرها فقط القرار السياسي للكاتب الأول.
أبرز ما تكشفه تدوينته هو أن اقتراح عضوية المكتب السياسي تم في لقاء ثنائي خاص بينه وبين إدريس لشكر، حيث أخبره الكاتب الأول بنيته اقتراح اسمه، طالبا منه التفكير قبل الرد، وقد كان إيجابيا.

تداعيات.. واستقالات
بدأت تداعيات تشكيل المكتب السياسي الجديد لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الظهور، من خلال سلسلة استقالات وقرارات انسحاب من هياكل الحزب، تعكس حالة من التململ داخل صفوف عدد من القيادات والكوادر التي لم تُخف خيبة أملها من مخرجات التشكيلة الجديدة.
وفي هذا السياق، أعلن محمد أبودرار، المنسق الجهوي للحزب بجهة كلميم وادنون، مطلع هذا الأسبوع، استقالته من مهامه التنظيمية ومن عضويته بالمجلس الوطني للحزب، مرجعا قراره إلى ما وصفه بـ"أسباب موضوعية"، في أول رد فعل علني على التشكيلة الجديدة للمكتب السياسي.
وبحسب المعطيات المتداولة داخل الحزب، كان أبودرار يراهن على الانضمام إلى المكتب السياسي خلال هذه الولاية، غير أن اسمه غاب عن اللائحة النهائية، وهو ما شكل، وفق مصادر اتحادية، عاملا حاسما في اتخاذ قرار الاستقالة. جزء آخر من خلفيات قراره أيضا، تتصل بما سُمي "إقصاء واسعا" لجهته من تشكيلة المكتب السياسي.
ولم تتوقف تداعيات التشكيل الجديد عند هذا الحد، إذ علم "تيل كيل عربي" بأن علي بلمهدي، مقرر لجنة مغاربة العالم داخل الحزب، استقالته من المجلس الوطني، بعدما آلت رئاسة اللجنة إلى عائشة الكرجي، في إطار إعادة توزيع المسؤوليات التنظيمية عقب المؤتمر.
وبعدهما، انضمت هاجر أوميسي إلى لائحة المستقيلين، معلنة انسحابها من المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية ومن عضويتها بالمجلس الوطني للحزب.
وبحسب رسالة استقالتها، والموجهة إلى الكاتب الوطني للشبيبة الاتحادية وإلى الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أكدت أومريسي أن قرارها جاء عن "قناعة شخصية" و"بقرار نهائي"، دون الخوض في تفاصيل الأسباب، مكتفية بوصفها بأنها "شخصية".
