أطفال الجالية يكتشفون سحر السوق المغربي في مقام ثقافي يرسخ الهوية والانتماء

محمد فرنان

اندفع مسرعا، تكاد قدماه لا تلامسان الأرض، إلى ساحة واسعة لم تتضح معالمها من بعيد. 

كلما اقترب، بدأت ملامحها تتجلى، بأكوام من الخضراوات المعروضة للبيع، وملابس معلقة، وأوان فخارية، ودجاج وبيض وأرانب، وسيدة تشعل النار في فرن "المسيرة" لطهي الخبز، وشخص يعد أتاي.

كانت هناك فتيات ينقشن أيادي الصغيرات بالحناء، وشخص يسوق حمارا، وراع يحاول بيع كبش، وبقرة وخيل وجمل و"ضيعة نموذجية"، بالإضافة إلى قائدة تتجول برفقة حراسها.

كل ذلك، بمصاحبة موسيقى مغربية شعبية.

لم يكن هذا الطفل، ابن المغاربة المقيمين في أوروبا، أصيب بعد بلعنة الاعتياد، ولا زالت الملاحظة والمتعة حية فتية لديه.

 فبينما الزوار الراشدون قد لا يرون ما يثير دهشتهم في "السوق الشعبي للمقام الثقافي"، فإن الطفل يرى فيه ما لا نرى.

 وأثناء الحديث معه، في جواب سريع، قال لـ"تيلكيل عربي": "أول مرة نشوف هاذشي، ما عندناش لهيه، زوين هاذشي".

ويشارك 240 طفلا، اليوم الخميس، في فقرة "السوق الشعبي"، إضافة إلى ورشات الرقص والألعاب الإلكترونية والمسرح والسباحة، وذلك ضمن فعاليات الفترة الأولى من الدورة السادسة والعشرين للمقام الثقافي لصيف عام 2025، التي انطلقت في 5 يوليوز 2025 وستمتد إلى 14 يوليوز 2025، في المركز السوسيو ثقافي بمدينة القنيطرة، التابع لمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج.

وتستعد المؤسسة لاستقبال ثلاث فترات أخرى من هذا المقام الثقافي، حيث ستقام الفترة الثانية من 17 إلى 26 يوليوز 2025، تليها الفترة الثالثة من 29 يوليوز إلى 7 غشت 2025، ثم الفترة الرابعة والأخيرة من 10 إلى 19 غشت 2025، لتستكمل استقبال إجمالي 960 طفلا على مدى 40 يوما.

في هذا الصدد، أكدت فتيحة أملوك، مديرة قسم الفن والثقافة والاتصال بمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن الدورة السادسة والعشرين للمقام الثقافي، التي تنظم هذا العام من 5 يوليوز إلى 19 غشت بمركز المؤسسة السوسيو ثقافي بمدينة القنيطرة، تواصل تحقيق أهدافها في ترسيخ الهوية الثقافية لأبناء الجالية المغربية وتعزيز ارتباطهم بوطنهم الأم.

وأوضحت أملوك أن المقام الثقافي يستقبل هذا العام 960 طفلا، موزعين على أربع مراحل، حيث تستقبل كل مرحلة 240 طفلا، ويأتي هؤلاء الأطفال من بلدان عديدة عبر أوروبا، الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، وبلدان في إفريقيا ومن فلسطين. 

وأشارت إلى أن الهدف من هذه الدورة هو "ترسيخ الهوية الثقافية" و"توطيد العلاقات" التي تربط مغاربة العالم ببلدهم الأصلي، وتمكين الأطفال من قضاء "عطلة مع أطفال آخرين يتقاسمون معهم تجربة الهجرة"، وبناء "ذكريات جميلة في هذا المقام".

وذكرت أملوك أن "البرنامج الثقافي للمقام يتضمن مجموعة متنوعة من الورشات الثقافية والتحسيسية، إضافة إلى خرجات لمعالم ثقافية وتاريخية، وأيام ثقافية وفنية وفلكلورية". 

وأبرزت أنه "في إطار تعريف الأطفال بمظاهر الثقافة الشعبية، يُنظم اليوم الشعبي الذي استضاف سوق مغربي أسبوعي نموذجي داخل المركز، لتمكين الأطفال من عيش هذه الأجواء والتعرف عليها".

وشددت على وجود إقبال كبير هذا العام، حيث أن "العدد ديال الأطفال اللي تسجلوا باش يشاركوا أكثر من الأعوام اللي فاتت"، مما يؤكد النجاح المتزايد للبرنامج في جذب أبناء الجالية وتعزيز ارتباطهم بوطنهم.

وحسب بلاغ صادر عن المؤسسة، تعد هذه الدورة جزءا حيويا من برنامج المؤسسة الرامي إلى تعزيز ارتباط أبناء الجالية المغربية بوطنهم الأم وترسيخ هويتهم الثقافية العميقة. 

وتعرف كل فترة من هذا المقام الثقافي مشاركة أطفال تتراوح أعمارهم بين 9 و13 سنة، يقيمون في كل من فرنسا، بلجيكا، هولندا، ألمانيا، إسبانيا، إيطاليا، المملكة المتحدة، ليبيا، تونس، موريتانيا، السنغال، غامبيا، الغابون، كندا، الولايات المتحدة الأمريكية وفلسطين.

ويتضمن البرنامج أنشطة رياضية جماعية متنوعة مثل كرة القدم، السباحة، كرة اليد، كرة السلة، الكرة الطائرة، إلى جانب ألعاب الفيديو، مما يسمح للمشاركين بتنمية مهاراتهم الرياضية في جو تسوده المتعة والتعاون، وستختتم بعض هذه الأنشطة بتنظيم مسابقات يحصل الفائزون فيها على جوائز تقديرية، وذلك بهدف تحفيز روح المنافسة الإيجابية بين الأطفال.

 وتسعى مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، من خلال هذا البرنامج السنوي، إلى توفير بيئة تساعدهم على تعزيز الشعور بالانتماء إلى وطنهم، في جو من التبادل الثقافي والتعارف والانفتاح.

وتؤكد الأرقام الرسمية للمؤسسة التي يتوفر "تيلكيل عربي" على نسخة منها ، أن العدد الإجمالي للأطفال المستفيدين من برنامج المقام الثقافي منذ انطلاقه في عام 1998 وحتى عام 2024، يقارب  17,782 طفلا وطفلة.

 وتبرز البيانات أن نسبة الإناث بلغت  35% (6,179 طفلة)، بينما شكل الذكور 65% (11,603 طفلا) من إجمالي المشاركين الفعليين.

 يذكر أن البرنامج قد شهد تعليقا مؤقتا في عامي 2020 و2021 بسبب جائحة كوفيد-19 ، إلا أنه سرعان ما استأنف أنشطته.

ففي عام 2022، استقبل 575 طفلا، محققا نسبة 96% من التوقعات، وفي عام 2023، ارتفع العدد إلى 691 طفلا، بنسبة 96% أيضا من العدد المتوقع. أما في عام 2024، فقد استقبل البرنامج 724 طفلا من أصل 740 طفلا كان متوقعا مشاركتهم، محققا نسبة 98% من التوقعات لنفس العام.