"أوبيزوما مينشيكوفي".. أحفورة نادرة تربط بين جبال الأطلس والهيمالايا

محمد فرنان

كشفت أبحاث جيولوجية حديثة عن أدلة أحفورية جديدة تعيد رسم خريطة الحياة البحرية القديمة خلال العصر الجوراسي المبكر، حيث تم العثور على عينات محفوظة بشكل استثنائي لنوع من الرخويات (ذوات الصدفتين) يدعى "أوبيزوما" (Opisoma) في جبال الأطلس الكبير بالمغرب.

هذا الاكتشاف لم يقتصر على توثيق وجود هذا الكائن في شمال أفريقيا فحسب، بل أثبت وجود تطابق مذهل مع عينات وجدت على بعد آلاف الكيلومترات في منطقة التبت (شيزانغ) بالصين، مما يؤكد الامتداد الشاسع لمحيط "التيثيس" القديم الذي كان يربط بين المنطقتين قبل ملايين السنين.

نشرت تفاصيل هذا الكشف العلمي في دورية "Palaeoworld" المتخصصة، وتم قبول الدراسة للنشر بتاريخ 13 نوفمبر 2025.

وتحمل الورقة البحثية العنوان: "أوبيزوما مينشيكوفي دوبار، 1948 - اكتشافات جديدة من العصر الجوراسي السفلي في الأطلس الكبير بالمغرب وجبال الهيمالايا التيثية بجنوب شيزانغ (التبت)، الصين"، "Opisoma menchikoffi Dubar, 1948: New occurrences from the Lower Jurassic of the High Atlas, Morocco and Tethyan Himalaya, southern Xizang (Tibet), China".

أنجز هذه الدراسة فريق بحثي صيني يضم باحثين من عدة مؤسسات أكاديمية، يتقدمهم الباحثون "فو-لين لي" (Fu-Lin Li) من مركز ووهان التابع لهيئة المسح الجيولوجي الصينية، و"كاي يي" (Kai Ye) من معهد نانجينغ للجيولوجيا وعلم الأحياء القديمة التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، والباحث المسؤول والمراسل "شين راو" (Xin Rao) من مختبر الدولة الرئيسي للتطور القاري والحياة المبكرة بجامعة الشمال الغربي (Northwest University) في شيان، بالإضافة إلى فريق موسع من الباحثين المتخصصين في الجيولوجيا والستراتيغرافيا.

  

 كنز الأطلس

ركزت الدراسة في شقها المغربي على فحص عينات دقيقة من طبقات "حجر بو ظهر الجيري" (Bou Dahar limestones)، وتحديدا تلك التي استخرجت من موقع "خنق أكحل" (Kheneg Akhal)، الواقع على بعد حوالي 10.5 كيلومترات شمال شرق منطقة "بو عنان" بالأطلس الكبير الشرقي.

وتتميز هذه المنطقة بطبقات صخرية غنية، حيث عثر الباحثون على الكائنات ضمن تكوينات شعابية (Reefal facies) كانت تضم أيضا المرجان والإسفنج.

ومكنت الحالة الممتازة للحفريات المغربية العلماء من إجراء مراجعة تصنيفية شاملة لهذا النوع الذي كان غامضا في السابق، حيث أتاحت المقاطع العرضية الطبيعية للأصداف الملتصقة فهم بنيتها الداخلية بشكل دقيق.

وأثبت الباحثون، خلافا للاعتقادات السابقة، أن الصمام الأيمن لهذا الكائن يمتلك ثلاثة أسنان مفصلية (cardinal teeth)، بينما يمتلك الصمام الأيسر سنين اثنين فقط.

"الموستاش"

تميزت أصداف "أوبيزوما مينشيكوفي" بحجمها الكبير الذي يتراوح طوله بين 15 و32 سنتيمترا.

ولعل الوصف الأطرف الذي ورد في الدراسة هو أن المقاطع العرضية لهذه الأصداف تظهر شكلا يشبه "الشارب" (Moustache-like outline)، ناتجا عن انحناء أجنحة الصدفة.

ويرجح العلماء أن هذه الكائنات كانت تعيش بأسلوب "التعايش الضوئي" (Photosymbiosis) ، مشبهين نمط حياتها بكائنات معاصرة مثل "قلب العصفور" (Corculum cardissa) وبعض أنواع المحار العملاق، حيث يعتقد أنها كانت تستضيف طحالب دقيقة في أنسجتها لتستفيد من ضوء الشمس في المياه الضحلة الاستوائية التي كانت تغمر الأطلس والتبت آنذاك.

 لغز حفريات التبت

وبالعودة إلى الامتداد الجغرافي، لم تكتف الدراسة بوصف العينات المغربية، بل استخدمتها كمرجع لتصحيح تصنيف علمي سابق لعينات اكتشفت على بعد آلاف الأميال في آسيا، إذ حدد العلماء موقع الاكتشاف بدقة في منطقة "ديا" (Diya) التابعة لمقاطعة "زاندا" (Zanda County) بجنوب التبت (شيزانغ)، ضمن النطاق الجيولوجي لـ"جبال الهيمالايا التيثية".

ففي عام 2013، نسبت تلك الحفريات المستخرجة من "تكوين بوبوغا" (Pupuga Formation) إلى جنس آخر يدعى "ليثيوتيس" (Lithiotis)، لكن التحليل الدقيق الجديد الذي اعتمد على العينات المغربية أثبت أن حفريات التبت تعود في الواقع لنفس النوع المغربي "أوبيزوما مينشيكوفي" (Opisoma menchikoffi)، مما عزز فرضية الترابط المباشر بين المنطقتين.

ملء "فجوة جغرافية"

تكمن الأهمية الجيولوجية الكبرى لهذا البحث في إثباته أن نوع Opisoma menchikoffi عاش في بيئات بحرية ضحلة استوائية على طول سواحل محيط التيثيس، وتحديدا خلال الفترة الممتدة من مرحلة "البلينسباخي" (Pliensbachian) إلى "التورسي المبكر" (Early Toarcian).

ووثق الباحثون انتشاره في الهامش الجنوبي لهذا المحيط القديم، ممتدا من المغرب والجزائر غربا وصولا إلى جنوب التبت شرقا.

هذا الانتشار الواسع يحول هذه الأحفورة إلى "مؤشر بيوستراتيغرافي" (biostratigraphic marker) بالغ الأهمية، حيث يملأ هذا الاكتشاف "فجوة جغرافية" هائلة في سجلات انتشار هذا الكائن كانت تمتد سابقا بين شبه الجزيرة العربية وجزيرة تيمور، مما يسمح للعلماء بالربط الزمني الدقيق بين التسلسلات الصخرية في شرق وغرب الكرة الأرضية.