أول فوج من "حُرّاس الوثيقة".. قصة ميلاد دبلوم بكلية الحقوق أكدال

محمد فرنان

لم تكن كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية - أكدال تحتفل بمجرد نهاية موسم دراسي، بل كانت تشهد على لحظة ميلاد "حراس الوثيقة" عبر تخرج الفوج الأول من طلبة الدبلوم الجامعي المتخصص في تحقيق الخطوط وكشف التزوير.

وشكّل الحفل، الذي عقد عشية أمس، وحضره نواب العميد وأساتذة جامعيون وخبراء من وزارة العدل تتويجا لمسار تكويني نوعي واستثنائي يعد الأول من نوعه الذي يقدم باللغة العربية في الجامعة المغربية، بعد تجربة جامعة فاس التي لم تكتمل.

سد خصاص وطني

أجمعت كلمات المتدخلين على الأهمية الاستراتيجية لهذا التكوين الذي جاء ليملأ فراغا كبيرا في مجال الخبرة القضائية المتعلقة بتحقيق الخطوط وكشف التزوير.

وأشار المتحدثون إلى أن عدد الخبراء المعتمدين في هذا المجال بالمغرب محدود، مما يعكس الحاجة الملحة لتأهيل كفاءات جديدة قادرة على مساعدة القضاء في كشف جرائم التزوير التي تعج بها المحاكم.

جودة من التصميم إلى التنفيذ

في كلمته، أوضح الأستاذ الجامعي محمد صابر حسينات، نائب عميد الكلية المكلف بالتكوينات، أن هذا البرنامج هو ثمرة عمل دؤوب وتجسيد حقيقي لانفتاح الجامعة على محيطها السوسيو-مهني.

وأشاد المتحدث ذاته، بالجودة العالية التي ميزت التكوين، مشيرا إلى أن الجودة لم تكن موعدا في مرحلة التصميم فقط، بل كانت حاضرة وبقوة أيضا خلال مرحلة التنفيذ، وهذا هو الأهم.

وأضاف حسينات أن هذا النجاح يكتسب أهمية خاصة لكونه أول تكوين مستمر باللغة العربية ينجح بهذا الشكل في الكلية، مشيدا بالمستوى الرفيع للطلبة المشاركين الذين لم يكونوا طلابا عاديين بل مهنيين ومسؤولين كبارا، مما أضفى على التكوين قيمة مضافة.

وأكد أن حضورهم المكثف وحماسهم كانا دليلا على نجاح المقاربة البيداغوجية المعتمدة.

خدمة الحقيقة القضائية

من جهته، وصف الدكتور بوعبيد شلاط، رئيس شعبة القانون الخاص سابقا وأحد قيدومي كلية الحقوق أكدال، أن هذا التكوين بأنه منتوج تاريخي في مسيرة الكلية الممتدة منذ عام 1957، وانطلاقا من خبرته الطويلة، شدد على الدور المحوري الذي سيلعبه الخريجون في المنظومة القضائية.

وأوضح الدكتور شلاط أن القاضي ملزم بمعرفة القانون وتطبيقه، لكن النزاع ليس فيه قانون فقط، حيث أوضح هذه النقطة بالقول: "نحن نعلم أن القاضي وهيئة القضاء واجبهم أن يعلموا بالقانون ويطبقوه، ولكن النزاع ليس فيه فقط القانون، فيه الواقع، فيه الجانب التقني، ولولا وجود الخبير لما كانت الأحكام قريبة من الحقيقة".

وأكد أن الخريجين سيضطلعون بهذا الدور التنويري والمكمل لعمل القضاء، مما سيساهم في تجويد الأحكام القضائية في القضايا المتعلقة بالتزوير وتحقيق الخطوط.

من فكرة إلى واقع

روى الدكتور عبد المهيمن حمزة، الأستاذ بشعبة القانون الخاص ورئيس شعبة القانون الخاص بالكلية، كيف أن المشروع كان حلما قبل سنتين، ولد من نقاش مع الدكتور محمد أحكوش، الخبير بوزارة العدل، حول غياب التكوينات الجامعية في بعض فروع الخبرة القضائية.

وقال إنه لم يكن أنانيا ليقول إن الفكرة من وحيه فقط، بل كانت من وحي الدكتور أحكوش الذي نبهه إلى أن الجامعة لا توفر ديبلومات في هذا التخصص الدقيق.

وأبرز أنه  بفضل تضافر الجهود بين رؤيته الأكاديمية، والخبرة البيداغوجية للأستاذ محمد صابر حسينات، والدعم التقني من وزارة العدل، تحول الحلم إلى حقيقة.

ولخص الأستاذ حمزة هذه الشراكة في استعارة معبرة، مشيرا إلى أنهم أخذوا ما هو بيداغوجي من الأستاذ حسينات، وما هو مطلوب تقنيا من الأستاذ أحكوش، وقاموا بعجن هذه المكونات معا لنخرج بهذه الوصفة الناجحة.

وأشاد بالانخراط الكبير للخبراء الممارسين مثل الأستاذ إبراهيم هميش، الذين أغنوا التكوين بتجاربهم العملية، مما خلق بيئة تعليمية فريدة قائمة على مبدأ علمني وأعلمك، حيث كان الخبراء يحضرون حصص بعضهم البعض لتبادل المعرفة.

وللتأكيد على أهمية هذا التخصص، أضاف الدكتور حمزة أن "هذه الخبرة لا يمكن أن تجد محكمة معينة لا تحتاجها، القضاء الإداري يحتاجها، القضاء التجاري، القضاء الجنائي، القضاء المدني، وحتى قضاء الأسرة والتركة، لا يمكن أن تجد فرعا قضائيا لا يتقاطع مع هذا المجال".

صوت الخبراء

عبّر الخبراء المشاركون في التكوين عن فخرهم بهذا الإنجاز، حيث أثنى الأستاذ محمد احكوش، الخبير بوزارة العدل، على المستوى الرفيع للطلبة وشغفهم بالتعلم، مخاطبا الخريجين بأنهم يشكرون الأساتذة الذين سهروا على هذا التكوين، لأنه ليس بالأمر الهين أو اليسير إطلاق برنامج بهذا المستوى.

وأكد أنهم كانوا في المستوى من خلال حرصهم وشغفهم للحصول على المعلومة، متمنيا لهم التوفيق ليكونوا خبراء الغد ويعززوا صفوف مساعدي القضاء.

الصنعة

أما الخبير الدولي في تحقيق الخطوط وكشف التزوير، إبراهيم هميش، وهو من خريجي الكلية، فقد أكد أن مهنة تحقيق الخطوط هي صناعة صعبة تتطلب تدريبا مستمرا واطلاعا على أحدث التقنيات العالمية.

وفي جو من التأثر، قال إنه كان يحلم دائما بمدرسة مغربية لتحقيق الخطوط، مشيرا إلى أن عدد الخبراء في المغرب لا يتجاوز سبعة فقط، وهذا لا يكفي لتغطية الخصاص الهائل.

وحثّ الخريجين على مواصلة التعلم والسفر لاكتساب المزيد من الخبرة، مشيرا إلى وجود تقنيات جديدة باستمرار مثل 12 تقنية جديدة لفحص الوثائق ظهرت في أمريكا اللاتينية.

وأعلن عن التزامه الشخصي بدعمهم، مؤكدا أن أبواب مكتبه في الدار البيضاء مفتوحة لهم لمواصلة التدريب العملي على قضايا حقيقية، مع البدء في شهر شتنبر المقبل.

وفي شهادة عكست خطورة الوضع الراهن، قال الخبير اهميش،"مع الأسف، بدأ التزوير يتكاثر، لذلك هذه الخبرة سوف تطلب دائما".

ولم يقتصر طموح التكوين على الخبرات الوطنية، بل تجاوزه إلى استقطاب كفاءات دولية، حيث تم تنظيم دورة تكوينية متخصصة أطرها خبير إيطالي مرموق، مما فتح أعين الطلبة على أحدث ما توصل إليه العلم في فحص الوثائق على الصعيد العالمي.

شهادة من قلب التجربة

من جانبه، تحدث الدكتور مصطفى باسو، منسق التكوين، معتبرا أنه لم يكن في البداية مؤمنا بالقدرة على إنجاح الفكرة لصعوبتها، لكن إلحاح الأستاذ حمزة وطريقته في الإقناع جعلته يتبنى المشروع.

وأشاد باسو بالروح الأخوية والجو الاستثنائي الذي خلقه الطلبة، مؤكدا أن انخراطهم فاق كل التوقعات.

وكشف عن عمق هذا التحول مبرزا أنه "كنت حريصا على الحضور كل يوم سبت، ليس من باب واجب المنسق، ولكن من باب الانخراط في الجو الاستثنائي الذي أنتجتموه أنتم (الطلبة)".

وأنهى كلمته مازحا بأن هذا الفوج صعب المهمة على من سيأتي بعده نظرا للمستوى العالي الذي وصل إليه.

صوت الخريجين

وفي تصريح لتيلكيل عربي، أوضحت خريجة الفوج الدكتورة الزهرة حاضري أن هذا الدبلوم لم يكن مجرد إضافة علمية، بل كان تجربة إنسانية ومهنية غيرت نظرتهم إلى أهمية الدقة والنزاهة في كل وثيقة، مشيرة إلى أنهم يحملون على عاتقهم أمانة كبيرة، ويتطلعون لتطبيق ما تعلموه لخدمة الحقيقة والعدالة في بلادهم.

وأضافت في حديثها أنه "نحن اليوم نحمل على عاتقنا أمانة كبيرة، ونتطلع بشغف لتطبيق ما تعلمناه لخدمة الحقيقة والعدالة في بلادنا، فكل خبرة ننجزها قد تغير مصير شخص أو تحفظ حقا".

يكشف المسار المهني للدكتورة حاضري، الذي استعرضته في تصريحها، عن رحلة معرفية غير نمطية، تفسر وصولها إلى هذا التخصص الدقيق. فالقصة بدأت من أساس متين في علوم اللغة، حيث عملت كأستاذة للغة الإيطالية، مهنة صقلت لديها دقة التعامل مع الكلمات ومعانيها.

لكن طموحها قادها إلى مرحلة أكثر تخصصا، حيث انتقلت إلى إيطاليا لنيل شهادة الماجستير في الترجمة المتخصصة، هذه الخطوة لم تكن مجرد تحصيل علمي، بل كانت انغماسا في بيئة قانونية وثقافية مختلفة، وتدريبا على أصعب أنواع الترجمة، حيث أصبحت خبيرة معتمدة في ترجمة الوثائق للمحاكم في المجالين الجنائي والمدني.

هذا الاحتكاك المباشر بالواقع القضائي أشعل لديها شرارة البحث الأكاديمي، فواجهت التحدي المتمثل في ترجمة نصوص "مدونة الأسرة" المغربية بكل خصوصياتها القانونية والاجتماعية، وجعلت منه موضوعا لأطروحة الدكتوراه التي نالتها بامتياز مع توصية بالنشر حول موضوع "صعوبات الترجمة القانونية بين اللغة العربية والإيطالية في مجال مدونة  الأسرة: دراسة للأحكام القضائية المغربية والإيطالية".

عند هذه النقطة من مسارها، بدا التحاقها بدبلوم تحقيق الخطوط وكشف التزوير خطوة منطقية وحتمية، لتتويج مسارها بمهارة تجمع بين فقه اللغة والقانون من جهة، وتقنية فحص الوثيقة والمستند من جهة أخرى.